مقام عراق - بشار بن برد - تميم البرغوثي | القصيدة.كوم

شاعر فلسطينيٌّ (1977-) حقق انتشاراً إعلامياً واسعاً.


1531 | 5 | 0 | 1




طَائِفَةٌ مِنَ الحَدَّادِينَ المكفُوفِينَ نحنْ
نَدُقُّ معادنَ لا نعلَمُ أُصُولَها
ونُصَبِّرُ أنفسَنا على النار
حاسبينَ أننا نصنعُ شمساً من ذَهَبْ
والدهرُ يمشى على إيقاعِ مطارقِنا
وعلى الباب ينتظر الناس أن نَخْبِزَ الشمسَ لهم
أَتَوا بالدَّراهِمِ والدَّعَوات
يُغَنُّونَ لنا ولها:

يا شمسُ كوني لِنَفسِ المرءِ مطهرَها
يا شمسُ ولْتَجْعلينا بعضَ داراتِك
ويابْنَ آدمَ صُمْ للّهِ إن تَرَها
وصلِّ كي يغفرَ الرحمنُ زَلاَّتِك
هي التي كَتَبَتْ في الكَفَّ أسْطُرَها
فأصبحت طُرُقاً تقتادُ خَطْواتِك
يا شَيْخَ طائفةِ العميانِ كنْ عَجِلاً
متى بِرَبِّكَ هذا الأمرَ تُنهيهِ

أجابهم قائلاً:
بالله صبراً علينا يا موالينا
في صُنْعِ شمسِكُمُ طالَت ليالينا
عميانُ نعملُ في سوقِ الحديدِ ونج
لوهُ إلى أن جلا شيبٌ نواصينا
نصنعُ ما يطلُبُ الشاري ونجهلُهُ
ولا نرى كم من الأموالِ يعطينا
نَقْتَرِضُ العَيْشَ من دنياً مُرابِيَةٍ
تُسْرقُنا لا هَدَى الله المُرابينا
قالَ الرجالُ اْطْرُقُوا شمساً لِتَهْدِيَنا
تهدي البصيرَ ولكن كَيْفَ تهدينا
عميانُ نطرقُ شمساً لم نكن أبداً
عشاقَها لا ولا كنَّا مُبالِينا
ولا نرى أين ما تهوي مطارقُنا
ولا نبالي بما تأتيهِ أيدينا
لكنَّنا رغمَ هذ العجزِ أرفَعُ قَدْ
راً مِنْكِ يا شمسَنا إن كُنْتِ تدرينا
إن كنتِ طالعة ً أو كنتِ غائبةً
مهما فعلْتِ فأمرٌ ليْسَ يَعنِينا
والشمسُ تاريخُنا إذ لا مجازَ هنا
وإن عَمِينا فما تَعْمَى معانينا
نَصْنَعُ تاريخَنا عَفْواً ويَصْنَعُنا
شيخٌ و أعمى وفيهِ كُلُّ ما فينا
ومنذ ألفٍ من الأعوامِ يَنْتَظرُ الر
رجالُ شمساً بها ظَلُّوا مجانينا
شمسٌ تعيدُ لهم أمواتَهم زُمَراً
ثُمَّ تُقِيمُ على العَدْلِ الموازينا
وَتَرْحَمُ الناسَ من دنياً معاويةٍ
وتُنْجِزُ الأَمْرَ لم يُنْجَزْ بِصِفِّينا
يا أَهْلَنَا اْسْتَمِعُوا، عِنِدي لَكُم خَبَرٌ
يُضْنِيكُمو لو أُدَارِيهِ ويُضْنِينا
لا شمسَ بل كُرَةٌ من مَعدن طُلِيَتْ
وليسَ إشراقُها إلا تَلاوِينا
يا من نَذَرْتُم إذا عادَ الأُلى ذَهَبُوا
سَتَبْذُرُونَ إلى الطَفِّ الرَّياحِينا
لا لن يَعُودُوا لكم قَطْعاً لأنّهمُ
ما بينَ أضْلُعِكُم ظَلُّوا مَسَاجِينا

قالوا له ما الذي يا شيخُ تعنيهِ
يا شيخَ طائفةِ العميانِ، هَلْ عَلِمَتْ
يداكَ ما أَخْطَأَتْهُ عينُ رائِيهِ
يا شيخَ طائفة العميان أبدِ لنا
ما كنتَ عنا بحقِّ اللهِ تُخْفِيهِ
إن العَمَى بيننا يا شيخُ مُقْتَسَمٌ
إن العَمَى ليسَ إلا ما نُسَمِّيهِ

فقالَ والحقُّ موقوفٌ على فِيهِ:
يسألني عن مكان البيتِ مُبْصِرُكُم
يا بانِيَ البَيْتِ فاحْفَظْ أَيْنَ تَبْنِيهِ
قُوموا إذا ما أَرَدْتم أن يُقَامَ بِكم
فقَدْ يُؤخِّرُ من خَيرٍ تَمَنِّيهِ
بئسِ انْتِظارُكُمُ القَوْمَ الذينَ مَضَوا
إن انْتِظَارَكُمُ حَبْسٌ وهم فِيهِ

يا من بَكَوْا ظُلْمَ مَنْ في كَرْبَلا ظُلِمُوا
هَاتُوا المرايا فأنتم يا رجالُ هُمُ
ماذا أُعَلِّمُكُم والعِلمُ عِنْدَكُمُ
"أعمىً يقودُ بصيراً لا أبا لَكُمُ
قد ضَلَّ من كانَتِ العميانُ تَهدِيهِ"

أناْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ
أنا من يحفظُ في كَفَّيْهِ جُدرانَ المكانْ
أصْبَحَتْ من طُولِ جَسِّي جَانِبَيْها
طُرْقُ بغدادَ وخَطُّ اللهِ في كَفِّي سِيَانْ

أناْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ
أَنَاْ مَنْ أَذَّنَ في غير الأَوَانْ
كنتُ سكرانَ ولكن
أَنَاْ من ماتَ فِداءً للأَذَانْ

أَنَاْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ
قائدُ العميانِ في طرقاتِ بغدادَ إلي أبياتهم والمبصرينْ
أَنَاْ من أَبْصَرَ ما في السَّيفِ من ليلٍ تهاوَت مِن أَعَالِيهِ الكَواكِبْ
أَنَاْ من غَرَّبَ طيرَ الشِّعرِ عن أوطانِهِ
أنا من لم يبقَ من ديوانِهِ
إلا اشتباكٌ وارتباكٌ بين أستاذٍ وطالبْ
أَنَاْ من دافَعَ عن إبليسَ في عِصيانِهِ
أَنَاْ من ماتَ على إيمانِهِ
أنا من لا فرقَ عندي بين محجوب وحاجبْ
وأنا من تسكن الأسرار في إعلانِهِ
وأنا طِفلٌ إذا وَبَّخَهُ الدَّهرُ يَرُدّْ
أناْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ

أناْ من أَذَّنَ تحَتَ القَصْفِ فَجْراً
أَفْتِلُ الصَّوْتَ حِبَالاً
أَرْبُطُ الأُفْقَ بها أَنْ يَتَهَاوَى
مثلَ إعصارٍ وبحَّارٍ وقارِبْ
كل من أذَّن في بغدادَ مثلي
ألفُ بحَّارٍ وبحَّارٍ يَشُدُّونَ سماءً كالمراكبْ
تَتَهاوَىَ وَنَشُدّْ
أناْ بَشِّارُ بْنُ بُرْدْ

اللهُ أكبرُ تحتَ القصفِ تَنْدَفِعُ
وكلَّما ضاقَ عنها الأُفُقُ يَتَّسِعُ
إن القَنَابِلَ تَهوِي وَهْيَ تَرْتَفِعُ
نُبُوءَةٌ أَسْمَعَتْكُمْ لَوْ لَكُمْ سَمَعُ
لا جِنَّ يَحْضُرُ إلا سَوْفَ يَنْصَرِفُ

عَنِّي خُذُوها وقُولُوا قَالَ بَشَّارُ
لا تدَّعُوا العجزَ ما في العجزِ أعذارُ
تَعَمُّدُ المَرءِ للنسيانِ تِذْكارُ
وبعضُ من حَزِنُوا في حُزْنِهم عارُ
والحزن كالذنب بالإخفاءِ يَنْكَشِفُ

لا تدّعوا العجزَ فالأعمَى له بَصَرُ
والريحُ مجتاحةً يجتاحُها الشَّجَرُ
كما تُكَسِّرُهُ فالرِّيحُ تَنْكَسِرُ
لا يَعذُرُ الموتُ من يأتِيهِ يَعتَذِرُ
وقُوَّةُ السيفِ فاعلمْ، أصلُها رَهَفُ
كُفُّوا لسانَ المراثي نها تَرَفُ
** **





الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)