الجموع في دمي: حريه، حريه، حريه - الطيب طهوري | القصيدة.كوم

شاعرٌ جزائريٌّ (1956-) يقول: مُدني بعصاك البعيدةِ، سحرِكَ.. كي ما أمد يدي في الظلال.. مدني بعميق السؤال.


430 | 0 | 0 | 0



أهديك كل المسافة التي بيننا وكل الوقت..
أهديك الأشجار التي فيها والأحجار والرياح..والسهول والجبال..والندى..
أهديك الصوت الذي اناديك به ..ويدي التي تلوِّح لك ..والخطى التي مشيت بها إليك..
وأبقي لي خطوتين لا ثالثة لهما..
أمنحهما لقدميَّ التائهتين..
وشجرة وحيدة تضللني حين تلتهب شمسك داخلي..
***
أسأل الجهات عنكِ..
والفصول عن فمي..
أسأل الغيوم عن رياحها..
والتراب عن دمي..
وأمشي خطوتيَّ في الحنين..
لا الجهات تبدأني..
ولا الفصول..
لا الغيوم تصبني..
ولا التراب يفتح المدى..
ولا انت تظهرين لي..
***
الكلام الذي كان لي اختفى..
والدم الذي في التراب جف بي..
ولم تنزل أمطارك عليَّ..
لم تجئ خطاك إليَّ..
لم اكن هنا..وانت لا..
في البعيد كنتِ..في بعيدك البعيد كنتُ..
معطفي الذي على كتفيك لم يكن إلا أنا الرماد..
كفك التي على يدي لم تكن إلا زهرة بعثرتها الذئاب التي ترين..
وهذه الحقول فصلك الحريق..
لا طريق لك..وليس لي أنا الطريق..
لا سماء لي..لا أرض لك..
لا رعد..لا برق ..لا بريق..
كلك الظلام في..
***
الصباح بارد..
ووحدي أمشي..لا انت معي..ولا انا..ولا أحد..
ولا شمسا حتى..
ولا أبي الذي قال لي في ربيعه:
با بنيَّ، المدينة تخون..حاذرها..
في الريف انتَ لا هنا..
لكنني عصيته..وها انا هنا..
وها هي الجهات كلها حيطان..
كنت بطيئ المشي..عكسك تماما انت السريعة..
كانت الأشجار الحزينة تقرأني..
كل شجرة أمر بها تقرأ عضوا مني..فما..قدما..يدا..عينا..أذنا..
وتكتبني..
كانت الذكريات على الجدران جامدة..
وعجزت عن قراءتها..
في زاوية ما توقفت..قلت لي:
انتظر شروق شمس اليوم..ستوقظ الذكريات التي على الجدران..
وستقرأها..وتعرف اتجاهك..
لكنها الغيوم تكثفت..وكثفتني..
وصرت لا أرى..
ناديت: يا انت، انا هنا تعالي..
الصوت كان مثل ذكرياتها الجدران..
لم يصلك..
بكيت..دموعي تهشمت عليَّ..
كنت قد تعبت من دمي..ومن فمي..
***
منتصف النهار كنتُ في..
ولم تجئ خطاك..
لم يجرني مداك نحو قريتي..
استيقظت يدي..رفعتها..عاليا رفعتها..
وكنتُ في الجدار..كنت ذكرياته..
حكى:
أمي التي غادرت ترابها قالت الصدى:
المرأة التي تكونها تكونك أو تخونك..لا فرق..
ستكون ماءها..لكن ريحها تجففك..
جفافَها تصير يا ولدي..
كن إذن وحيد كفك..
تكفيك خطوة..قدم تكفيك..
ومشيت..لم أعِ الكلام..
كنتُني البعيد فيك..
لم أكن هنا..
وأنت لم تكوني..
كنتِ في بعيدك البعيد..
كنتِ بينها الذئاب..
***
الشمس التي أشرقت لبضع ثوان اختفت..
وما تزال الغيوم في..
وفمي ما يزال باردا..
وليس هاهناك ذكريات..
كنت خارج المدينة..
وأيضا كنت خارجك..
قلت لي: لا امرأة إذن..لا مدينة..
صرخت: يا أبتي..يا أميمتي..
ردني الصراخ لي..
كنت جامدا هنا..
وكنتِ ها هناك جامدة..
***
فجأة رأيتني..
طلعت شمسي..كنت في كبدها..
كانت الرياح لي..وكنت في المدينة..
خطوتنان كانتا لي..وسرتِ هاهنا..
وسارت المدينة..
قلتِ لي: لقد أعدتَني إليك..ها انا هنا..
هاهي الخطى كلها إليكَ..
صحت بي: هل رأيتَها؟..يا طيب ، هل رايتها؟..
ورحت مسرعا اعانق المدى..
انت لي..حريه، حريه، حريه..
لم اكن أنا..الجموع في خطاي كلها تصيح في دمي سعيدة:
حريه، حريه، حريه
حريه، حريه، حريه


الآراء (0)   

دعمك البسيط يساعدنا على:

- إبقاء الموقع حيّاً
- إبقاء الموقع نظيفاً بلا إعلانات

يمكنك دعمنا بشراء كاسة قهوة لنا من هنا: