البعث والرماد - أدونيس | القصيدة.كوم

شاعر وناقد ومفكر ومترجم سوري لبناني، قاد الثورة الحداثوية في النصف الثاني من القرن العشرين، مما ترك أثرا كبيرا على الشعر العربي يشبه تأثير إليوت على الشعر الإنجليزي. حائز على جائزة الإكليل الذهبي عام 1997، وجائزة العويس الثقافية دورة 2002-2003 في مجال الإنجاز الثقافي والعلمي. (1930-)


4728 | 5 | 0 | 4




النشيد الرابع: ترتيلة البعث / إلقاء: أدونيس


(قصيدة في أربعة أناشيد)

1- الحلم

أحلمُ أنّ في يديّ جمرةً
آتيةً على جناح طائرِ
من أفقٍ مغامرِ
أشمُّ فيها لهباً - قرطاجةَ العصورِ
ألمحُ فيها امرأةً
يُقال صارَ شعرُها سفينةً؛
ألمحُ فيها امرأةً – ذبيحةَ المصيرِ.

أحلمُ أن رئتيَّ جمرةٌ
يخطفني بخورُها، يطيرُ بي لبعلبكَّ،
بعلبكُّ مذبحٌ،
يقال فيه طائر مولّهٌ يموتهِ
وقيل باسمِ غده الجديد، باسم بعثهِ
يحترقُ
والشمسُ من حصادهِ والأفقُ.


2- نشيد الغربة

فينيقُ، إذ يحضنك اللهيبُ أيّ أفقٍ ترودُهُ؟
والزغبُ الضائعُ كيف تهتدي لمثلهِ؟
وحينما يغمركَ الرمادُ، أي عالمٍ تحسّهُ
وما هو الثور الذي تريدهُ – اللونُ الذي تحبّهُ؟
وما تعاني حينما تهمدُ كلُّ خلجةٍ؟
والسَحَرُ الذي امتلكتَ شمسَهُ الأميرةْ
فينيقُ، ما يكونُ؟
وما تكونُ الكلمةُ الأخيرةُ – الإشارةُ الأخيرةْ؟

غُربتكَ التي تُميت، غربتي
غربتكَ التي تحبُّ، تنتشي
غربتكَ التي تموتُ هلعاً لغيرها
غربتكَ التي تموتُ ولعاً بغيرها
غربتكَ التي تميتُ، غربتي – لا أمَّ فوق صدركَ الموثقِ باختناقهِ
لا أب يُحييك حنوُّ قلبهِ.
غربتكَ، الوحيدُ فيها، غربتي
غربة كلّ خالقٍ يحترقُ
يولدُ فيه الأفقُ.

أغنيتي، يُقال عن أغنيتي،
غريبةٌ،
ليس بها من الركام وترٌ ولا صدى
وجبهتي، كما يُقال، مثلها غريبةٌ
غربتك التي تُميتُ غربتي
أزحتُ عن وجوديَ الركام والفراغ والدجى
بلهفتي إلى السّوى – بحبّيَ العظيم؛ لا تزال خلفيَ البوابةُ الكبيرةُ السلاسلُ - الفراغُ والركام والدُجى،
ترصدني، تعلّقُ التفاتها بخطوتي.
مشرّدٌ أحبّ حتى المالئين جبهتي سلاسلاً
ألكامنينَ في الدروب غيلةً
مشرّدٌ أحسّني طفولةً
أحسّني أرفع بعلبكّيَ العاشقةَ، الوالهةَ الحجارْ
أحترقُ،
يكبر فيّ الأفقُ – يولدُ فيّ الأفقُ
وحينما يستيقظُ الصباحُ
يطلعُ لي، من أوّلٍ، جناحُ
مثلكَ يا فينيقْ
يا أيها الرفيق.

للموتِ، يا فينيقُ، في شبابنا
للموت في حياتنا
منابعٌ، بيادرٌ
ليس رياحَ وحدةٍ،
ولا صدى القبور في خطورهِ.
وأمس ماتَ واحدٌ
خبا وعاد وهجهُ
كان يُرى بحيرةً من كرزٍ
حريقةً من الضياء، موعداً.
خبا وعاد وهجهُ
من الرمادِ والدجى
تأجّجا.
وها، له أجنحةٌ بعدد الزهورِ في بلادنا
بعدد الأيام والسنينَ والحصى.
مثلك يا فينيقُ فاضَ حبُّه
علا، أحسّ جوعنا له، فماتَ - ماتَ باسطاً
جناحهُ، محتضناً حتى الذي رمَّدهُ.
مثلك يا فينيقْ
يا حاضن الربيعِ واللهبْ
يا طيريَ الوديعَ كالتعبْ،
يا رائدَ الطريقْ.


3- رماد عائشة

سمعتُ أنّ عندنا،
سمعتُ أنّ بيننا،
ثلاثةً من الركام يعشقون موتَهم
واحدهم مغارةٌ
والآخران صدأٌ:
"ربّاهُ، لو نموتُ، صار لحمُنا
شرائحاً من الحصى.
ربّاه، لو نموت. كان عمرُنا عبادةً
فجُدْ لن بداركَ
بأبدٍ يدومُ في جواركَ".

ثلاثةٌ من الفراغ
واحدٌ مغارةٌ
والآخران صدأٌ:
"ربّاه، كم تزلزل الجدارُ في عظامنا
وانطفأ السراج والصباح في عيوننا
وجمدت صلاتنا على اسمكَ القديمِ
ونسيتْ قلوبنا اللذائذ الخطايا
آملةً بوعدكَ الكريمِ".

ثلاثةٌ من الركام، يكبرون كالحصى
وكالحصى يفكّرون، واحدٌ مغارةٌ
والآخران صدأٌ، صدىً لها:
"يا رب صرتُ آخراً:
(مفاصلي مسامرٌ
وركبتايَ خشبٌ).
ربّيَ هيّئْ موضعاً مباركاً لعبدكَ الذليل
هبْني مقعداً منعّماً أكوابه من ذَهَبٍ
وفضّةٍ، ولدانه مخلّدون –
هبنيَ الخلود في جواركَ الحبيب، يا إلهي".

ثلاثةٌ من الفراغ يكرهون عمرهم
فللفراغ عندنا
مجامرٌ كبعلبكَّ؛ للفراغ نارُهُ وموتهُ وبعثهُ:
ما أروع الحريقَ، ما أجلّهُ
ما أعظم العراكَ، أيّ بطلٍ سينتهي
لمن يكون الزمنُ الذي يجيءُ،
والعراك هل يموتُ، هل يخفُّ، هل يظلُّ قائماً؟

عائشةٌ جارتنا العجوز، يا فنيقُ، مثل قفصٍ مُعلّقٍ
تؤمن بالركام والفراغ والطُّرَرْ
وبالقضاء والقدَرْ
أهدابها منازل النجومِ، كلّ نجمةٍ خبرْ
عائشةٌ تقولُ إن عمرَنا سحابةٌ بلا مطرْ
تقول إنّ الأرضَ أبشعُ الأكرْ
صوّرها الإله تحت عرشهِ
ومن عل دحرجها
خطيئةً كأنها البشرْ:
"يا ويلَ، ويلَ من كفرْ
يا سعدَهُ من اعتبرْ".
عائشةٌ جارتنا تقيّةٌ،
يحبّها القريبُ والبعيدُ
والمدنُ الكثيرةُ الشوارع المزيّنات بالطُّرَرْ
يحبّها الحاضرُ في بلادنا، الكامنُ فيها ورماً
ولافتاتِ زينةٍ
وقفصاً من الذباب أخضراً.
عائشةٌ جارتنا تقيّةٌ،
حياتها جلودُ صوفٍ وخرافُ وَرَعٍ
وحكمةٌ تعودُ بالأرضِ إلى سديمها
تحتجز الحياةَ في تكيّةٍ
من ورق الرمالِ
وطحلب الليالي.
عائشةٌ جارتنا، فينيقنا الجديدُ في حياتنا
كبيرةٌ فارعة القوام تأخذ البصرْ
وتأخذ القلوب، يا فينيقُ، والفِكَرْ
كأنّها القمرْ.


4- ترتيلة البعث

فينيقُ، يا فِنيقْ
يا طائرَ الحنين والحريقْ
يا ريشةً
ساحبةً وراءَها الظلامَ والبريقْ
مُسافرٌ خُطاكَ عُمْرُ زهرةٍ
لفتَتُكَ انخطافةٌ وناظراكَ منجمٌ،
مسافرٌ زمانُكَ الغدُ الذي خَلَقْتَهُ
زمانُكَ الغَدُ – الحضورُ السرمديُّ في الغدِ
لموعدِ:
بهِ تصيرُ خالقاً، به تصيرُ طينةً
تتّحدُ السماءُ فيكَ والثرى
فينيقُ في طريقكَ التفتْ لنا
فينيقُ حُنَّ واتّئدْ
فينيقُ مُتْ، فينيقُ مُتْ
فينيقُ، ولْتبدأْ بكَ الحرائقُ
لِتبدأَ الشقائقُ
لِتبدأَ الحياةُ،
فينيقُ، يا رمادُ، يا صلاةُ.

نيرانُنا جامحةُ الأوارِ كي يولَدَ فينا بطلٌ
مدينةٌ جديدةٌ،
نيرانُنا الخفيّةُ الحدودِ في جذورِنا
تُمَجِّدُ الهنيهةَ التي بها
يحترقُ العالم ُكي يصيرَ عالماً مثلَ
اسمِكَ – الرمادِ والتجدّدِ
مثل اسمِكَ – الحياةِ والمحّبةِ التي تموتُ فديةً،
تحرقُنا، تربطُنا بريشكَ المُرمَّدِ
لنهتدي.
فينيقُ، أنتَ من يرى ظلامَنا
يحسُّ كيف نمّحي،
فينيقُ مُتْ فدىً لنا
فينيقُ، ولْتبدأْ بكَ الحرائقُ
لِتبدأَ الشقائقُ
لِتبدأَ الحياةُ،
يا أنتَ، يا رمادُ، يا صلاةُ.

فينيقُ، يا فِنيقْ
في معزلٍ عن الفراغِ واليبابِ والدجى
عن السّوى،
أرى إليكَ تجمعُ الزمانَ - هذا الحَطَبَ الحلوبَ
مثل منبعٍ
ترفعهُ حريقةً
أرى إلى جناحكَ انتشى، علا، هوى،
أرى إليكَ في اللهيبِ غارقاً
في معزلٍ عن الرمال واليباب والدجى
أرى إليكَ لهباً، أرى إليكَ جمرةً غريبةً
أليفةً ضاحكةً إلى الضحى
في عزلةٍ عن الركامِ واليبابِ والدجى
أرى أرى رمادَكَ
كأنه استعادَكَ
كأنه أعادَكَ.
فينيقُ خَلِّ بصري عليكَ، خَلِّ بصري:
ألمحْ خلال نارِكَ الغيبَ الذي يختبئُ – الذي يلفُّ جرحَنا
وألمحُ الركامَ والرمالَ والدجى
واللهَ في قِماطهِ، اللهَ الذي تلبسهُ أيامُنا
حرائقاً وغُصصاً وجُدُراً
تلبسهُ ولا ترى.

وافَرَحا...
"سيّدتي، يا كتفَ الإسمنت، يا خواصرَ الحديد، يا تكيّةً تهدّمت، ولا تزالُ حيّةً عامرةً.
سيّدتي أنا اسميَ التجدّدُ
أنا اسميَ الغدُ
الغدُ الذي يقتربُ – الغدُ الذي يبتعدُ.
في مهجتي حريقةٌ، ذبيحةٌ
فينيقُ سرُّ مهجتي
وُحِّدَ بي، وباسمه عرفتُ شكلَ حاضري
وباسمهِ أعيشُ نارَ حاضري،
سيّدتي العجوزُ لستُ شاعراً
بالخطرِ الذي ترينَ، ها يدي مليئةٌ بلحمها
هادرةٌ بدمها
وها أنا أسيرُ، دائماً أسيرُ، خطوتي
تحبُّني، وقدمي عاشقةٌ غبارَها، نافضةٌ غبارها
ولا أزالُ شاعراً بقوّتي
صدريَ في عُلوّهِ،
وجبهتي كأرزةٍ".

وافَرَحا...
"يُفتح صدرُ عالمٍ أهدابُهُ المحبّةُ
البساطةُ، الغدُ الذي لا تُضمرُ الشمسُ احتمالَ مثلهِ.
تحضنُنا الألوهةُ الرائمةُ التي تُحِسُّ مثلنا – التي تُحِسُّ معنا".
فينيقُ خلِّ بصري عليكَ، خلِّ بصري،
فينيقُ مُتْ، فينيقُ مُتْ
فينيقُ، تلكَ لحظةُ انبعاثكَ الجديدِ:
صارَ شَبَهُ الرمادِ، صارَ شرراً
والغابرُ استفاقَ من سُباتهِ
ودبَّ في حضورِنا:
"البطلُ استدارَ صوبَ خصمهِ،
للوحشِ ألفُ خنجرٍ،
أنيابهُ مطاحنٌ
والظُفُر السَنينُ سمُّ حيّةٍ.
والبطل القويّ مثلُ حَمَلٍ
تمّوزُ مثلُ حَمَلٍ – مع الربيع طافرٌ
مع الزهور والحقول والجداولِ
النجميّةِ العاشقةِ المياهِ،
تمّوزُ نهرُ شَرَرٍ تغوصُ في قرارهِ
السماءُ. تمّوز غصنُ كرمةٍ
تُخبئهُ الطيور في أعشاشِها،
تموزُ كالإلهِ.

البطلُ استدارَ صوبَ خصمهِ
تمّوزُ يستديرُ نحو خصمهِ:
أحشاؤُهُ نابعةٌ شقائقاً
ووجههُ غمائمٌ، حدائقٌ من المطرْ.
ودمُهُ، ها دَمُهُ جرى
سواقياً صغيرةً تجمّعت وكَبُرَتْ
وأصبحتْ نهَرْ
ولا يزالُ جارياً – ليس بعيداً من هنا –
أحمرَ يخطفُ البصرْ.
واندثرَ الوحشُ وظلَّ خصمُهُ الإلهُ
ظلَّ معنا شقائقاً
جداولاً من الزَهَرْ
وظلَّ في النهر".

البطلُ اهتدى، مضى لموتهِ
لا، لن أرى جبينَهُ الغريقَ في غيومِهِ
الغريقَ في بذورهِ
ولن أخيطَ صدرَهُ ببؤبؤي
لا، لن أراهُ مطراً وجثّةً من الرياحِ
مطراً وجثّةً من الحقولِ والحصادِ
لن أرى صوّانةَ الحياة في رمادِهِ
ففي غدٍ أرى إليه صورةً جديدةً في بطلٍ يحبّهُ
وفي غدٍ أسمعهُ أغنيةً حزينةً مفرحةً.

فينيقُ، تلك لحظةُ انبعاثكَ الجديدِ؛
صار شبَهُ الرمادِ، صار شرراً ولهباً كواكبيّاً
والربيع دبَّ في الجذور، في الثرى،
أزاحَ رملَ أمسِنا – العجوزَ والثلاثةَ:
الركامَ والفراغَ والدجى،
فينيقٌ خلِّ جبهتي أسيرةً لديكَ في عُلوِّكَ البعيدِ عن جفونِنا،
البعيدِ عن أكفِّنا
وخلّني لمرّةٍ أخيرةٍ، ألامسِ الترابَ في جناحِكَ الرميمِ – خلّني
لمرّةٍ أخيرةٍ
أحلمُ أن رئتيَّ جمرةٌ
آتيةٌ على جناحِ طائرِ
من أفقٍ مغامرِ،
وخلّني أشمَّ فيها اللهبَ الهياكليّ، - ربما لِصورَ فيها سِمةٌ
وربما تجسّدت قرطاجةً:
دقائقُ الغبارِ فيها لهبٌ
وخلّني لمرّةٍ أخيرةٍ
أحلمُ أن رئتيَّ جمرةٌ
يأخذني بخورُها، يطيرُ بي؛
وخلّني لمرّةٍ أخيرةٍ:
ها ركبتي حنيتُها
وها جلستُ خاشعاً
فخلّني لمرّةٍ أخيرةٍ أحلمُ يا فينيقْ
أحتضنُ الحريقْ
أغيبُ في الحريقْ
فينيقُ يا فِنيقْ،
يا رائدَ الطريقْ.


بيروت 10-5-1957


نُشرت في العدد الثالث لمجلة "شعر" – حزيران 1957


الآراء (1)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.