أشياء لترميم عزلة الصمت ... - أحمد هلالي | القصيدة.كوم

شاعر مغربي صدر له "أجنحة الشبق" عن دار الغاوون 2013 (1978-)


527 | 0 | 0 | 0



في القرية المنسية:

في هذه القرية المنسية الجاثمة بين فخذي الطبيعة، حيث ارتطمت رأسي لأول مرة بجدار العالم، لم أكن أدري أن لي بين كل الصرخات التي سبقتني حظا وافرا في الألم وعاثرا في الحب.
في أعلى قمتها جلس جنود الكـوم (1) goum، ذات تاريخ، يتربصون بصمتها المريب ويدخنون سجائرهم الرخيصة الملطخة بالدماء. من هنا مروا ذات حكاية بأحذيتهم الثخينة وبنادقهم الصدئة، يجلبون الماء السلسبيل من وادي القرية و أشياء أخرى.
هنا بين أحجار هذه الخربة كان جدي يستلذ بدفء جلبابه الصوفي الخشن وينظر للعالم الرديء نظرة فيلسوف أتعبته الأفكار والنظريات. يقهقه ساخرا من عقارب الساعة ويضرم الأمل بين فجاج العزلة. له الصبر، له نظرة النسر الشامخ بين الجبال. لا دفئ التربة و لا هشاشة الأعوام فكَّا نظرته الباردة للأفق.
كان كلما تفتقت ذهنه عن فكرة أو حكاية هش الهواء بعصاه و أحَّ كمن يبتلع جرعة ويسكي لأول مرة. روحه البدوية لا تزال تتجول بين أحجار الخربة الصقيلة مثل قطع حلي، تئن من وطأة النسيان مثلما يئن الناي مستذكرا ضربة الحطاب في الأحراش.
(1) تشكيلة من القوات المساعدة مكونة من سكان شمال إفريقيا الأصليين تحت وصاية فرنسية.




أشياء :

لا شيء. لا شيء.
ثمة وردة واحدة، لا أكثر، تنمو في قلب أم مكلومة، هي وردة الأمل. لكن ريح الساسة قد هبت عليها باكرا. لا شيء إذن، كما حكى لنا ذلك الرجل الذي كلما رماه الحنين بسهم ثاقب، أخرج نُشُوقَهُ من تحت إبطه مثل لغم وشرع يبكي دون هوادة.
لا شيء. لا شيء.
حلم واحد لا أكثر. كان يمني نفسه بتحقيقه عَصْرَ طفولته، لكنه باء بالفراغ و سَطَتْ على جذوره العميقة هزة عنيفةُ، ثم هام على وجهه يشتم السماء و يرجم النجوم بِبُصاقه. كأنما ساورته فكرة مجنونة تدافعت في جيبه جزيئات الماضي فانفجر يبكي دون هوادة.
لا شيء. لاشيء.
هي أشياء جٍيءَ بها لترميم عزلته تحت السماء. أشياء تراكمت هكذا دونما تخطيط فوق ناصية الوقت. أشياء مثلما يتراكم الثلج فوق قرميد المنازل، تراكمت على ناصية القلب فسَدَّت نافذة الهواء الوحيدة لتي كانت تصله بالخارج، فأمسى يبكي بلا هوادة.

رغيف بمساحة الحب

حاجتي أيها الليل إلى مكنسة خرافية أكنس بها التاريخ من كل هذا الدم المراق باسمك أيها الرب. حاجتي إلى ممحاة عظيمة أمحي بها الأوهام التي عاش من أجلها البشر: الحرية، السعادة، الحب، ......حاجتي إلى زرٍّ يتحكم في ضجيج العالم، أخفضه عندما تخلد حبيبتي إلى أحلامها الشفيفة، أو عندما تلوذ أزهار الحديقة بنومها العميق. حاجتي إلى كرسي دوار يدور بي بعينين مغمضتين حول قارة الصمت العريضة ورغيف بمساحة الحب من أجل جوع هؤلاء الأطفال المقيمين في بهو ذاكرتي وأغنية ناعمة أنظف بها أروقة مسائي الملطخ بالجثث والضحكات المقيتة.
حاجتي إليك حبيبتي في هذه اللحظة العصيبة كي أرمم أجنحة صلواتي التي تشردت في السماء بحثا عن ركن هادئ. حاجتي لأصابعك النحاسية لردم هذه الهوة التي تنفتح في رحم عزلتي كلما راودتني أقراص الغياب عن حياتي.

رصاصات الأمل

ياه ... من كل هذا العبث !
ياه ... من كل هذا التعب !
لست أنا من صبغ هذا الليل بالأسود.
أنا من قاد اليأس مغلول اليدين ذات قصيدة إلى حافة الجنون وأفْرَغَ في رقبته كل رصاصات الأمل. أن من في الليالي الباردة سابق الريح وخوَّن العاصفة حين هبَّت، غير مكترثة بأنيني، على بصيص الصحو في نهاري، وطيَّرت في السماء غبار أحلامي.
لست نادما على مدْية الحزن الأطول من سؤالي، التي غرزها الوقت في خاصرتي، ولا على عُواءِ الأفكار التي نادمتني في الليلة البهيمة حتى الذوبان. قد أكون الأعمى الذي طال طريقه في اتجاه النبع، وقد أكون العراف الذي حيرته رؤى الخريف.
أمعائي إذْ تسري في جحيمها المظلم أحلامي الأولي، سيبقرها هذا الصمت سويعة ترْتّدُّ عصا الرحمة إلى الوراء، و تفر منها صراصير احتضاري. آه من كل هذه الذكريات التي تنتفخ في بهو ساعتي مثل قنافذ شائكة. آه من كل هذا العبث ! من كل هذا التعب الذي يملأ عروقي.




بلادة مصور:

يا لبلادة مصور فوتوغرافي انشغل يجوٍّد لقطته المشتهاة لثقب ينز دما أحدثته رصاصة قاتل في صدر ضحية.
ليست هذه دعوة لاستقالة كاميرا في لجة المعركة. فقط آلمني جسد الضحية وهو يتهاوى مثل ورقة من أعلى العالم...جسد الضحية هذا يسميه البعض شهيدا أو مناضلا أو ثائرا أو ...فيما تطلق عليه الجهة الأخرى عدوا أو مخربا أ إرهابيا أو ...
وحدها الأم تعرف الجسد لمن يكون، وحده مَُصَنٍّعُ الرّصاصة يعرف خلطة الأفكار التي حُشِيَتْ بها.
ستبيت أحلامك في شرفة القلب:
لربما كان يرى الموت بأم عينيه و هو يتفنن في تطريز الكفن. الموت، هذا الذي يأتي كل صباح فيُلْقِمه حجر الضوء، يغادر غير نادم ليعود في اليوم الموالي. لربما يسهر معه كل ليلة في لعب لعبة الورق و هو ينضج على نار هادئة.
أيها الموت لماذا كلما تأرجحت ثمرة فوق أغصان الحياة سارعت بخطواتك الصارمة وأصابعك الخرافية لتتلقفها. قلق ما يساورني و أنا و أراقبك من شرفتي الواطئة تعد أنينه في الصباحات المرتجفة.
هكذا مثلما يفعل حطاب شرس، تهوي على الجذع الذي طالما ساومته الرياح والعواصف، و خاتلته الأيام بسكاكين الألم دون جدوى. يهوي عليه فيما الصمت يرنو إليه في تواطؤ فاضح مع الليل.
الليلة ستبيت أحلامك التي من ورد وياسمين في شرفة القلب، تسترق النظر لتفاصيل القمر وترقص على رماد الأمس مثل هندي مجنون. لما يأتي الموت دائما متعجلا بتهمة جاهزة: الحياة، هكذا مثلما يأتي رجال الشرطة في منتصف الليل.





الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.