السرير - راشد عيسى | القصيدة.كوم

شاعرٌ أردنيٌّ. وروائيّ. حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب.


1682 | 0 | 0 | 0




مثلَ كلِّ الأَجِنَّةْ
كانَ لي بين أحشاءِ
أمي سريرٌ على شكلِ
جَنَّةْ
عندما ولدتني رأيتُ
سريريَ ما بين نبَعْينِ
في صدرِها
قلتُ هذي مرابعُ روحي
إذنْ
وهُنا سوف أحيا
وسوفَ أموتُ .. هُنا
أَتَعرَّفُ لغز الوطنْ
وهُنا دمعتي المطْمئنةْ
ولكن أمي
بَنَتْ لي سريراً من الخيشِ
شُدَّ بحبلَيْنِ بين غُصْنَيْنِ
في تينة دائخةْ
قُلْتُ هذا إذنْ
بيتُ قلبي ودارُ الهواءِ
التي أَسْتَكِنُّ بها
عن عيونِ الزمنْ
غير أنَّ الرياح كعاداتها
لم تَدَعْني لحالي
فصارت تَهُزُّ السريرَ على
نغماتِ البلابلِ وهي تُعلّمُ
أطفالها رقصةَ التينِ قبل
مجيء الخريفْ
فأنادي عليها وأشكو لها
كيف أمي تَغُضُّ أمومتَها
عن سريري وتُشْغِلُ أنفاسها
بقطاف العناقيد قبل الأوانْ
وتُساهي أبي
كي تؤدي صلاة الرغيفْ
كنتُ كم كنتُ أرجو لَوَ أَنّيَ
حَبَّةُ كوسا
لِتَلْمَسَني كفُّ أُمي وَلَوْ
دون قصْدٍ ولا جدولٍ
من حنانْ
كنتُ كم كنتُ أَغْبِطُ حَبَّ
البطاطا يُكَوَّم في حِجْرِ
أمي التي انشغلتْ عن سريري
لترضي أبي
وتداري الزمانْ
حينما صرت أمشيِ على أم رأسي
ولمّا
تَعَشَّم فيَّ أبي
همهماتِ الرجولةْ
وأيقنَ أنّيَ عبءٌ على
لقمة العيشِ
عبءٌ على سترةِ الحالِ
عبءٌ على رَحَبوت المكانْ
قال لي :
أنتَ فرْخُ حَمامْ
قادرٌ أن تطيرْ
والفراخُ إذا كبرتْ
ليس يلزمُها عندنا
يا بُنيَّ مقامْ
فهاجرتُ عني اتخذتُ
سريري بتجويفِ زيتونةٍ
شائخةْ
كنت أعصمُ خوفي بها
وَهْيَ تحكي حكاياتها
عن خيول الغزاةِ
وعن أنبياء السلامْ
عندما صاح ديكي وبات يشاكس سِرْبَ
الدجاجْ
صار كلُّ رصيفٍ سريري
أبيع عليه البلالينَ
والصفافيرْ
وعند المساءِ أَلُمُّ ظلامَ
المدينةِ بين يَدَيَّ
وأسند رأسي إلى حُلُمٍ لم
يزل في الخداجْ
كان لا بُدَّ لي أن أُسَمَّى فتىَ راشداً
حسبما شهدتْ صورتي في جوازِ السَّفَرْ
فتضايق مني اتساعُ
الطريقِ وزيتُ سراجي
وليلُ الكهوفِ
وفيءُ الشجرْ
فاسْتجرتُ بظلي
فصار سريري
أنام
على راحتي فيهِ لا يشتكيني
ولا أشتكيهْ
لا مرابيُّ يسألني أجرةً
عنهُ لاسَرْسَرِيُّ يحاول
أن يشتريهْ
كان ما كانَ من غدرِ ظلي
الذي مَلّني
ثم فرَّ إلى جهة لا تراني
فناديتُ ناديتُ
كان الصدى ورقاً ساقطاً
من خريف الكهولةْ
صِحْتُ لا ..
لم يزل في دمي
جمرةٌ للشتاءْ
وردةٌ للنساءْ
قمرٌ مستنيرْ
قامةٌ لم تزلْ
ترتجي
طرفاً من سريرْ
لم تزل في فمي كِلْمةٌ لم تُقَلْ
من كتاب الطفولةْ
نظرتُ حواليَّ ، كلُّ الأَسِرَّةِ
عادت لأصحابها
والمقاعدُ والطاولاتْ
والخِزاناتُ والشُّرُفاتْ
والورودُ التي ذبلت في الأواني
ولم تحتفلْ بالعبيرْ
ما تبقى أثاثٌ حواليَّ إلا
وطار إلى بيتهِ في سماءٍ
جديدةْ
وأيقنتُ أني بلا صيغةٍ
للحياةِ سوى أن أنام بكاملِ
حريتي في سريرِ القصيدة .








الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.