مَيْســا - راشد عيسى | القصيدة.كوم

شاعرٌ أردنيٌّ. وروائيّ. حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب.


1834 | 0 | 0 | 0




الجدة ميسا خُلِقَتْ
من ريق الشمسْ
أنزلها اللهُ إلى قريتنا مع
موكبِ غيمٍ يحرسها
فنساءُ الِجّن يَكِدْنَ لها
يحسِدْنَ نباهةَ فتنتِها
ونساءُ القريةِ يتواردْنَ
على قطرات الضوء المتساقطِ
من ضحكتِها
ولذا فنجومُ الظهر تغار على
ميسا تتنـزل خرزاً أزرقَ
بين يديها
ميسا موالُ القمحِ
وسِنُّ الرمحِ
وبنتُ السيفِ وأختُ
المنجلْ
ميسا هِمّةُ نهرٍ يبحث عن مجراهْ
ألفُ يدٍ ترفع أدعيةَ الحراثين إلى
اللهْ
ولذا تبكي في حضرته أكثر مما
يحتاجُ
الإثمُ إلى غفرانْ
تقفز ميسا من مخدعِها قبل قيام
الليلِ من النومِ وتخبزُ خمسين رغيفاً
للجِنّ وللضيفِ وأهلِ البيتِ ومَرّاق الدربْ
ثم يمرُّ الصبحُ عليها
ويصبِّحُها بالخيرْ
تبتسم له وتعبّئُ سَلَّتَهُ
بزبيبٍ أو لوزٍ أو تَمْرْ
تأمره أن يذهب للجبل سريعاً
ويسيرَ أمامَ القطعانْ
وَبُعَيْدَ المغربِ تجلسُ فوق
المصطبةِ المفروشةِ بالعشبِ الخجلانِ
وضوءِ القمرِ الساهي
تهمسُ للزوجِ حديثاً ملتوتاً
بِقَرَنْفُلِها
وبخورِ عذوبتِها
وَتُغمّسُهُ برحيقِ أنوثتِها
وَتُنقّيهِ من التعبِ وغَمِّ البال وقَشِّ
الأحزانْ
ميسا شرعاً زَوَّجَها البَخْتُ بأربعةِ
رجالْ
كانت تلد الوردَ على الطرقاتِ
وتملأُ صندوقَ ملابسها بقصائدَ لم
يكْتُبْها الشعراءُ
وَتَبْنسُ دمعتَها بدموعِ الأطفالْ
ماتَ الأزواج تباعاً
حتى قمرُ البيدرِ ماتْ
ميسا أُمّ العشرينَ صبياً والسبعِ
بناتْ
ظَنّوها ماتت في كهفٍ مَنْسِيٍّ في
جبل الطورْ
ميسا تسعون سماءً في امرأةٍ
تسعون نشيداً عربياً في البالِ المكسورْ
هل ماتت ميسا ؟
لا .. لا
ميسا خارج سلطان الموتْ
لكن الله – كما قال الرعيان - :
استقرض ميسا بعض الوقتْ
كي يمنحَها عمراً أطولَ من
عمرِ الأوطانْ
وعلى ذِمّةِ مختارِ القرية ، قال :
حين وضعناها في التابوتْ
رفْرفَ طيرٌ خرج من التابوتِ
وحام على أوْجُهِنا
وبكى معنا
فعرفنا أن الجدة ميسا وطنٌ
والأوطانُ كما نعرفُها ليس تموتْ .









الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.