الحظيرة - يوسف عبد العزيز | القصيدة.كوم

شاعرٌ فلسطينيٌّ وأردني (1956-) حاصلٌ على جائزة الدولة الأردنية التقديرية في الأدب. والعديد من الجوائز العربية.


1506 | 0 | 0 | 0




لمّا رجعتُ لمنزلي متأخّراً في الليلِ .
عادَ لِيَ ارتباكي
مثلَ كيسِ الرّملِ كانَ المنزلُ الحجريُّ منبطحاً،
و كنتُ أرى نوافذَهُ المضيئةَ كالثُّقوبِ ،
و كانتِ الأزهارُ فوقَ السُّورِ ترفعُ في الظّلامِ رؤوسَها كأصابعِ الأعمى.
اقتربتُ فمالتِ الجدرانُ نحوي ،
و ارتجفتُ كأنّني أهذي ،
كأنّي خارجَ الحجرِ المرتّبِ في نشيدِ الصَّمتِ أُطلِقُ مِن يدي طيرَ الحواسِّ و استفزُّ النّارَ تحتَ رمادِها .
حرَّكتُ رأسي في فضاءِ اللغزِ مثلَ الأرنبِ المذعورِ ،
هذا البيتُ بيتي ، فيهِ أعجنُ من رمادِ الرّوحِ قلبَ الشِّعرِ ،
أرفعُ بُرجَ أحلامي و أصعدُهُ لكي أطأَ السَّحابَ الرَّخوَ ،
هذا البيتُ بيتي ،
غيرَ أن السَّقفَ يوشكُ أن يطيرَ ،
و يوشكُ الشُّباكُ أن يهوي عليَّ مصفِّقاً كالنَّسرِ ،
هذا البيتُ بيتي ؟ السّورُ نفسُ السّورِ ؟ لا قد صارَ أعلى ،
و الحجارةُ فيهِ تبدو مثلَ أسنانٍ مهرّأةٍ .
دفعتُ البابَ مُرتبكاً فأنَّت في ظلامِ الليلِ جثَّتُهُ ،
و هبَّت باتجاهي الرِّيحُ مُثقلةً برائحةِ العفونةِ ،
خطوةً و وقفتُ ، يا اللهُ أيَّةُ لحظةٍ تلقي عليَّ غموضها ؟!
ثورانِ مثلَ غمامتينِ ترنَّحا في البابِ ،
روثُ يغمرُ الأرجاءَ ،
كانَ البيتُ نصفَ مهدَّمٍ ، و مضيتُ في حجراتِهِ ،
غنمٌ و أبقارُ على السِّجّادِ تلهو أو تنامُ ،
على الأرائكِ تجلسُ القططُ الكسولةُ ،
كانت الحمّى بألفِ يدٍ تدقُّ ضلوعيَ الخرساءَ
و الأصواتُ تصعدُ في العروقِ و تضربُ الصّدغينِ ،
حينَ مضيتُ إلى سريري كان قُرّادُ يحطُّ عليَّ يلسعُني فأصرخُ صامتاً ،
شَعرٌ غزيرٌ صارَ ينبتُ فوقَ أعضائي
و حينَ نظرتُ في المِرآة لم أرَ ما يدلُّ عَلَيَّ ،
كنتُ شبيهَ تيسٍ هائلٍ ، فذهبتُ صوبَ النَّافذة
و بدأتُ أثغو .








الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)