فلسطين وعمّان وأطلال نبوة - همام يحيى | القصيدة.كوم

شاعرٌ فلسطينيٌّ (1986-) وطبيبٌ مختصٌّ في الطبِّ النفسي. باحثٌ بالفكر والفلسفة.


1906 | 0 | 0 | 0




ونزلتُ في هذي الديارِ
كما النبيّْ
أو هكذا سميتُ نفسيْ
أنا قادمٌ من حيثُ كلُّ المعجزاتِ تجسدتْ
كلُّ الكلامِ هناك شِعرٌ
بل أحاديثُ المقاهي في المسا
عمّا جرى عفوا خلالَ اليومِ
تصنع ملحمةْ

إلياذةٌ تـُتلى على السُّمّارِ
أو إلياذتانْ
ويضيق وقتُ الجالسين عن المزيدْ
أو يألفون المعجزات فلا جديدْ

أنا قادمٌ من حيثُ يوحى للنبيِّ
وعمرُه عامانِ
يستلمُ الرسالةَ حين يكسبُ سرعةً في الجريِ
كفـّا حجمُها حجرٌ
وقوةَ ساعدٍ ترمي
فيذهبُ كي يناجيَ ربّهُ
بجوارِ قبرِ أحبّةٍ
أو قربَ بيتٍ لم يعدْ كالبيتِ
أو في مُتـَّكا زيتونةٍ مكلومةٍ
ويعودُ بالألواح نقشاً في الضميرْ
والأرض تغمزُه فيفهمُها
لتهنأ بالنبوّةِ يا صغيرْ

أنا قادم من حيث صار الله
أقرب للبشرْ
والدرب ما بين السما والأرضِ
أقصرُ من سَفـَرْ

وحكايةُ المعراجِ نتقنُها
ونعرجُ كلَّ يومٍ ما تيسّرَ
في يدٍ تمتدّ تدعو
في ارتخاءِ الدمعة الأولى
وفي موتٍ بسرعةِ طلقةٍ
والناسُ تسألُ
هل ترى في الأرض نحن أم السماءِ
كأننا سهواً نموتُ جميعُنا
في غفلةٍ منّا .. ترى
أم نحن مخلوقون أصلا
للسماءِ وفي السماءْ

أنا قادمٌ
من حيثُ يغدو العمرُ بعد الأربعينَ إضاعة ً للعمرِ
لا جدوى..
رأينا باتساعِ العينِ
أحببنا بحجمِ القلبِ
عانقنا بحجمِ الصدرِ
قلنا واستمعنا كل ما يُحكى
فما نفعُ البقاءْ؟

والكيّس ال يختارُ مِيتَتهُ
ولا تختارهُ
ويموتُ حيث الموتُ ذو روحٍ
وذو معنى غزيرٍ بالحياةْ
لمن سنعيشُ بعد الأربعينَ
ونحن فوق الأرضِ لم نرحلْ
لنسرعْ في الدخول لبيتنا فيها
ونتركْ للبعيدين انتظارَ رجوعهم
من حقهم هم أن يعيشوا
عندهم حلمٌ
ونحن نعيشُ وسطَ الحلمَ ..نخشى أن نفيقْ

وأنا ابن ست الأمهاتْ
فلاحةٌ بيضاءُ
زيّنها احمرارُ الوجنتين كزهرتي لوزٍ على باب الربيعْ
جلبابُها كمهابةِ الزيتون منسدلٌ
أبِيُّ .. خصرُها لا يُستبانْ
منديلُها كالحبّ أبيضُ
لم تغيّرْه الفتاوى
والشيوخ الطالبون ثوابَ تحرير النساءْ

تمشي كأنّ الأرضُ تولَدُ من خطاها
تكتسي من نفحِها عبقَ الترابْ
قالت .. إذا يعلو أذانُ المغربِ ارجعْ
ليس من ولدي لعوبٌ في الحواري في المساءْ
فكبرتُ مشدودا لسحر البيتِ
إن وافى أذان المغربِ اختلفتْ خطايَ
وطاش فكري
والتمستُ نسائماً غربيةً
هي ما تبقّى من حضور البيت في روحي
فعجّل يا غروبَ العمرِ
موحشةٌ حوارينا
وغلابٌ نداء البيتِ
إن خَفـَتَ الضياءْ

وجميلةٌ عمانُ
والحسناءُ تـُحذَرُ
والجميلةُ لا تُحبّ سوى المرايا
والجميلةُ حسنُها يدعوكَ أقبلْ
زَمَّةُ الشفتينِ عقدةُ حاجبيها تهتفُ ارجعْ
عالَمٌ من 'ربما'

لمّا تلاقَينا تبادَلْنا التعالِيْ
وادّعى كلٌّ غِناهْ
- أنا الجميلةُ
قلتُ: لكنّي النبيّْ
-أنا الضحوكةُ
قلت : حزني نبضُ حيّْ
- وأنا الصّبا

- أنا سلامُكَ

وسرابُ ملهوفٍ يُشكِّلُه عَنايْ

وافترقنا .. يدّعي كلٌّ غناهْ

وجميلةٌ عمانُ
تَجمُلُ في عيوني كلَّ يومْ
وترى خضوعي ثم تَضحكُ خِلسةً
وأنا أرى
وأُحِبُّ ضِحكتَها
ويعجبني انكساري للجميلْ

وجميلةٌ تلك الفتاةْ
من أين جئتِ بها
أيا عمّانُ في دربي
ألا يكفي انهزامٌ
وانهزامٌ
وانهزامْ؟

أيحبُّ مثلي
ذاتَ منديلٍ تزركش بالورودِ
وذاتَ كحلٍ محدقٍ
بالعينِ أو بالقلبِ
ذاتَ أناقةٍ عصريةٍ
يا حزنَه جلبابُ أمي
أين أُخفي منه وجهي
من مناديل البياضِ
من العيون الباحثات عن الكلامْ؟

أيظلُّ مثلي في الحواري
لاقتراب الفجرِ
يسهر في أحاديث النساءِ

وأمنياتِ العمرِ
والبيتِ الجميلِ
وربطةِ العنقِ الثمينةِ
والموسيقى
وإذا دوّى أذان الفجرِ
لم يذكرْ أذان المغربِ المنسيَّ
بل وصل الكلامْ

وجميلةٌ هذي الحياةُ
وعذبةٌ أنغام فيروزَ الهموسةُ
إذ ترحِّبُ بالصباحِ
وسرعةُ الماشينَ
أفواجُ الصبايا الصاحياتُ مع الندى
وتراكُضُ الأطفالِ
رائحةُ الجرائدِ
نحنحاتُ مقاعدِ المقهى
ونارُ الموقدِ
الشايُ المنعنعُ..
والأمانْ

وأريد أن أحيا
وابلغَ أربعيني مرتينِ
أرى صغاري يكبرونَ
أرى حفيدي يأخذُ اسمي عنوةً
وأرى مشيبي والتجعّد في يديَّ
أريد رشفةَ قهوةٍ
مع من أحبُّ
ونحن في التسعينَ
لا شَفَةٌ لترشفَ
أو يدان لتحملا الفنجانَ
بل قلبانِ
يرتشفانِ عمراً هادئاً ..
ويودِّعانْ






الآراء (0)   

دعمك البسيط يساعدنا على:

- إبقاء الموقع حيّاً
- إبقاء الموقع نظيفاً بلا إعلانات

يمكنك دعمنا بشراء كاسة قهوة لنا من هنا: