تخميس على قدر أهل العزم - تميم البرغوثي | القصيدة.كوم

شاعر فلسطينيٌّ (1977-) حقق انتشاراً إعلامياً واسعاً.


19910 | 5 | 12 | 15



إلقاء: تميم البرغوثي


أقُولُ لِدارٍ دَهْرُها لا يُسالمُ
وموتٍ بأسواقِ النفوسِ يساومُ
وأوجه قتلىً زَيَّنتها المباسمُ
على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ
وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ

أتَتْنا ليالٍ ليسَ يُحفظُ جارُها
ونارُ أسىً نارُ الجحيمِ شَرارُها
يُفرّقُ ما بينَ الرجالِ اختبارُها
فتَعْظُمُ في عين الصغيرِ صِغارُها
وتصغرُ في عين العظيم العظائمُ

وطافَ أبونا الخِضْرُ يُنذِرُ قومهُ
فما كان أقسى قلبهم وأصمَّهُ
وقالوا له هُزءاً يريدون ذَّمهُ
يُكلِّفُ سيفُ الدولة الجيشَ همَّهُ
وتعجزُ عن ذاك الجيوشُ الخضارمُ

وفي الصدر خضرٌ لا يشكُّ بحدسهِ
يقولُ، إذ قال الزمان بعكسهِ
على غدهِ فرضُ استشارةِ أمسهِ
ويَطْلُبُ عند الناس ما عند نفسهِ
وذلك ما لا تدَّعيهِ الضراغمُ

وغزلانِ جَوٍّ قد شَغَفنَ بَراحَهُ
رأى حَرَماً صيّادُها فاستباحهُ
هو الدهرُ من قومي يُرَوّي رماحَهُ
يفدِّي أتمُّ الطير عمراً سلاحهُ
نسورُ الملا أحداثُها والقشاعمُ

أقول لها للموتِ بالموتِ غالبي
فبعض المنايا عصمةٌ في النوائبِ
به اعتصمت عُليا لؤيِّ بن غالبِ
وما ضَرَّها خلقٌ بغير مخالبِ
وقد خُلِقَتْ أسيافُه والقوائمُ

به عصمتْ نفسُ الحسينِ حُسيْنَها
قليلةُ عونٍ أصبحَ الموت عَونها
سلوا قلعةً حاولتُ بالموت صَونَها
هل الحدثُ الحمراءُ تعرفُ لونَها
وتعلمُ أيُّ الساقيَيْن الغمائمُ

وقلعتُنا أمُّ الزمانِ بطولِهِ
رعتْهُ صغيراً عاثراً بحجولهِ
نما وأتاها غازياً في خيولهِ
سقتها الغمامُ الغُرُّ قبل نزولهِ
فلما دنا منها سَقَتْها الجماجمُ

وقلعتُنا في مُلتقى اليأسِ والمُنى
وقلعتُنا أنتم وقلعتُنا أنا
بناها ابنُ عبدِاللهِ حِصناً وموطنا
بناها فأعلى والقَنَا يَقرعُ القَنا
وموجُ المنايا حولها مُتلاطمُ

غدتْ مُهرةً تصحو البلادُ إذا صحتْ
إذا كتبتْ فهو الكتابُ وإن محتْ
وإن خاطبتْ هذا الزمانَ توقَّحتْ
وكان بها مثلُ الجنونِ فأصبحتْ
ومن جثثِ القتلى عليها تمائمُ

فأين رسولَ الله ما قد وَعَدْتَها
وعوداً كراياتِ الفتوح مَدَدْتَها
وكنتَ إذا ما الناس ضاعوا عَدَدْتَها
طريدةَ دهرٍ ساقها فرَدَدْتَها
على الدين بالخطيِّ والدهرُ راغمُ

وكم أملٍ مثلَ السيوف شحذْتَهُ
وكم أملٍ مثلَ الزؤان نبذْتَهُ
وكم أملٍ حَصّنْتَهُ وأعذتَهُ
تُفيتُ الليالي كلَّ شيءٍ أخذتَهُ
وهنَّ لما يأخذنَ منكَ غوارمُ

فيا مُربكَ الأيام كهلاً ويافعا
ويا غازلاً ضحكَ الوليد شرائعا
محمّدُ أدركْنا إذا كنتَ سامعا
إذا كانَ ما تنويهِ فعلاً مضارعا
مضى قبل أن تُلقى عليه الجوازمُ

أتذكُرُ داراً أنت أعطيتَها اسمها
وشيَّدتها في منبت النخل والمها
أباها رسولَ الله كنتَ وأمّها
فكيف تُرجّي الرومُ والروسُ هدمَها
وذا الطعنُ آساسٌ لها ودعائمُ

لياليكَ أيدٍ والليالي جرائمُ
وأمّتكَ الطفلُ الذي أنتَ رائمُ
وكم صُنتها والعادياتُ عوارمُ
وقد حاكموها والمنايا حواكمُ
فما ماتَ مظلومٌ ولا عاشَ ظالمُ

محمّدُ قد عاد العدى فاسمعنَّهم
أجَنُّوا ظلاماً والظلامُ أجنَّهم
غُزاةً بُغاةً أخلفَ اللهُ ظنَّهم
أتوكَ يجرُّون الحديدَ كأنهم
سروا بجيادٍ ما لهنّ قوائمُ

ترى الشمسَ خوفَ الهتكِ منهم تلثّمُ
وفي جبهةِ الصحراء للذلِّ ميسمُ
حديدٌ فلا عينٌ هناكَ ولا فمُ
إذا بَرَقوا لم تُعرفِ البيضُ منهمُ
ثيابُهُمُ من مثلها والعمائمُ

يريدون ألا يعشقَ الإلفَ إلفُهُ
ولو أخذوا نصفَ الفتى ماتَ نصفُهُ
فأصبح همّي يا محمّدُ وصفُهُ
خميسٌ بشرقِ الأرضِ والغربِ زحفُهُ
وفي أُذُنِ الجوزاء منه زمازمُ

وَهَتْ صحبةٌ ما بين روحٍ ورمّةٍ
تكيدُ لها في السرِّ كلُّ مُلمّةٍ
وفي الصدر سوقٌ من مصائبَ جمّةٍ
تجمّعَ فيه كل لسنٍ وأمةٍ
فما يُفهم الحُدَّاثَ إلا التراجمُ

أتوا في زمانٍ ما يقرُّ قرارُهُ
يشي بنبيِّ الله للقوم غارُهُ
وأشجعُ أفعالِ الشجاع فرارُهُ
فللهِ وقتٌ ذوَّبَ الغشَّ نارُهُ
فلم يبقَ إلا صارمٌ أو ضبارمٌ

تقطّعَ صوتُ الشيخِ إن هو أذّنا
تقطّعَ سيرُ النهر حتى تأسّنا
تقطّعَ وصلُ الألف للألفِ بيننا
تقطّعَ ما لا يقطعُ البيضَ والقنا
وفرّ من الفرسان من لا يُصارمُ

نسيجُ زمانٍ من سقوطِ المَناصفِ
سوى من شهيدٍ، للزمانِ مُخالفِ
كما وقفَ البيتُ العتيقُ لطائفِ
وقفتَ وما في الموت شكٌّ لواقفِ
كأنك في جفنِ الردى وهو نائمُ

فلله شعبٌ يجعلُ القتلَ شيمةً
فإن لم تنلهُ النفسُ عاشت ذميمةً
أشعبي لقد أعطيتَ للدهر قيمةً
تمُرُّ بكَ الأبطالُ كلمى هَزيمةً
ووجهكَ وضَّاحٌ وثغركَ باسمُ

كأنكَ تحت النخلةِ الأمُّ وابنُها
لدى رؤية الأحباب يدمعُ جفنُها
ومن منظرِ الأعداء يضحك سنُّها
تجازوتَ مقدار الشجاعة والنُهى
إلى قولِ قومٍ أنتَ بالغيبِ عالمُ

كأنّكَ طيرُ الله تحملُ أمّةً
لكي يصبحوا بعد الهوان أئمّةً
ويا دهرُ ما راعيتَ في الله ذمّةً
ضممتَ جناحيهم على القلبِ ضمّةً
تموت الخوافي تحتها والقوادمُ

كأن الردى لا النصر ما أنتَ طالبُ
فلا نصرَ إلا وهو بالموتِ طائبُ
فإن ضربوكَ اهْزأ بمن هو ضاربُ
بضربٍ أتى الهاماتِ والنصرُ غائبُ
وصار إلى اللّبات والنصرُ قادمُ

فأكرمْ بنفسٍ يا شهيدُ أرحتَها
بكَ الأرضُ صارتْ مكّةً وفتحتَها
فلما دنتْ منها الأعادي استبحتَها
حقرتَ الرُّدَيِنْيَّات حتى طرحتَها
وحتى كأن السيفَ للرمِح شاتمُ

فصلى عليكَ اللهُ ألفاً وسلّما
وأنطقَ دهراً كان من قبلُ أبكما
ملوكٌ يريدون الحفائرَ سُلّما
ومن طلبَ الفتحَ الجليلَ فإنما
مفاتيحه البيضُ الخفافُ الصوارمُ

ودهرُكَ عبدٌ نالَ فوقَكَ أِمرةً
فخلّفَ حتى في السماواتِ حُمرةً
ويا عبدُ إن صادفتَ حُرّاً وحُرّةً
نثرتهمُ فوق الأحيدبِ نثرةً
كما نُثِرَتْ فوق العروسِ الدراهمُ

أميرَ جيوشٍ صرتَ فينا مؤمّرا
بكَ اشتدّت الأصفادُ وانحلّتِ العُرى
وأطعمتنا للجارحات كما أرى
تدوسُ بك الخيلُ الوكورَ على الذُّرى
وقد كثرتْ حول الوكورِ المطاعمُ

ويا عبدُ صرنا ساقةً إن أمرتَها
أطاعتْ، فكانت نعمةً ما شكرتَها
ضباع الفلا فينا أراكَ استشرتَها
تظنُّ فراخُ الفتخِ أنكَ زُرتَها
بأمّاتها وهي العتاقُ الصلادمُ

تُحاطُ بأبكار الرزايا وَعُونِها
جواريك ما تسطيعُ سيراً بدونها
طوابيرُ وحشٍ واللظى في عيونها
فإن زلقتْ مَشَّيْتَها ببطونها
كما تتمشى في الصعيد الأراقمُ

فيا دهرُ مهما كنتَ ناراً تَضَرَّمُ
فنحن كإبراهيمَ في النار نسلمُ
عجبتُ لعبدِ الدهرِ ما يتعلمُ
أفي كل يومٍ ذا الدُّمُستُقُ مُقدِمُ
قفاهُ على الأقدام للوجه لائمُ

فأهليَ نخلُ الله مدَّ عروقَهُ
وأعجزَ معراجَ السما أن يفوقَهُ
وليثٌ فأنى للدَّبَى أن تسوقَهُ
أينكرُ ريح الليثِ حتى يذوقهُ
وقد عرفتْ ريَح الليوثِ البهائمُ

وإن أُمِّر العبدُ استطالُ بفُجرهِ
وكان رسولُ الله يُكوى بجمرهِ
ولكنهُ ما كلَّ عن حربِ دهرهِ
وإن فجعتْهُ بابنه وابن صهرهِ
وبالصهر حملاتُ الأميرِ الغواشمُ

تذكّرتُ خيرَ الناس ديناً ومذهبا
عَلَيّاً وعمّاراً وزيداً ومُصعبا
ولي حاكمٌ بين الأسودِ تأرنبا
مضى يشكر الأصحابَ في فوته الظُبا
لما شغلتها هامُهُم والمعاصمُ

أولئكَ محرابُ الورى أنتحيهمُ
مضوا بخطام الدهر فهو يليهمُ
ويعلمُ قلبي أنه لا يقيهمُ
ويفهمُ صوتَ المشرفيَّة فيهمُ
على أن أصوات السيوف أعاجمُ

ويا دهرُ تبدي حالةً بعد حالةٍ
ليشعرَ قلبي أنه دون آلةٍ
ويُصبحَ بدراً مفرداً دون هالةٍ
يُسَرُّ بما أعطاكَ لا عن جهالةٍ
ولكنَّ مغنوماً نجا منكَ غانمُ

وقلبي لنور الصبح نافخُ كيرهِ
غِياثٌ على صخرٍ كلامُ مشيرهِ
أقلبِ استردِّ الملكَ من مُستعيرهِ
فلستَ مليكاً هازماً لنظيرهِ
ولكنَّكَ التوحيدُ للشركِ هازمُ

أقلبِ تسلَّحْ فالحياةُ وقيعةٌ
ونفسُ الفتى مرهونةٌ أو مَبيعةٌ
وإنَّ ابنَ حمدانٍ شعوبٌ جميعةٌ
تَشَرَّفُ عدنانٌ به لا ربيعةٌ
وتفتخرُ الدنيا به لا العواصمُ

أقلبِ اتّبعِْ شعبي فحظُّكَ حظُّهُ
وللريح إنذارُ الزمان ووعظُهُ
وشعبيَ شِعرٌ غايةُ القلب حِفظُهُ
لكَ الحمدُ في الدرِّ الذي ليَ لفظُهُ
فإنّكَ مُعطيهِ وإني ناظمُ

رسولُكَ فانصرني إلى أن أُبَلِّغا
وآخذَ ثاري من زماني بما طغى
فؤاديَ لم يطلبْ سواكَ ولا ابتغى
وإني لَتعدو بي عطاياكَ في الوغى
فلا أنا مذمومٌ ولا أنتَ نادمُ

سلامٌ على من كان بَرّاً بأهلهِ
وجازى على عُدوانِ عادٍ بمثلهِ
وباركَ ماءُ الغيم من مُستهلّهِ
على كلِّ طيارٍ إليها برجلهِ
إذا وقعتْ في مسمعيهِ الغماغمُ

سلامٌ على من كان يتّبعُ الهدى
وسمّى إذا ما ماتَ أحمدُ، أحمدا
سلامٌ لسيفٍ يشبه الصبحَ والندى
ألا أيها السيفُ الذي لستَ مُغمدا
ولا فيكَ مُرتابٌ ولا منك عاصمُ

عليكَ نقشنا ما سيأتي وما خلا
ولم ينمحِ المكتوب فيك وما انجلى
فيا شيخُ يا من لقّنَ الدهرَ ما تلا
هنيئاً لضربِ الهام والمجدِ والعُلا
وراجيكَ والإسلامِ أنكَ سالمُ

سِجِلُّكَ هذا كم أضاءَ وأحرقا
وفيه الهوى والهجرُ والِجنُّ والرُّقى
ودام صداعاً للطغاة مؤرّقا
فلم لا يقي الرحمنُ حدَّيك ما وقى
وتفليقُهُ هامَ العدى بكَ دائمُ





الآراء (2)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)