سفينة نوح - تميم البرغوثي | القصيدة.كوم

شاعر فلسطينيٌّ (1977-) حقق انتشاراً إعلامياً واسعاً.


5864 | 0 | 3 | 1




حمامُ البروجِ يصلّي عليكْ
تعلّمهُ الجودَ يا ابن النبي
تناولهُ بيمينكَ قمحاً رطيباً
فيحملهُ ويطيرُ جنوباً
ولا يأكلُ القمحَ بل هو ينثرهُ في الجبالِ
لبعض النساء وبعض الرجالِ
ويسألهم عن مسار القتالِ
ويأخذُ منهم سلاماً إليكْ
ولو سأل الصحفي الحمامة
لقال بأن السماء هنا لتظلّـك أنت
وأنكَ أنتَ مددتَ السماءَ لهُ بيديكْ
حمامُ البروجِ يصلّي عليكْ
***

يصلّي عليك هواءُ البلاد
إذا ما تعالى عليه دخانُ المقاهي
يشيبُ له الجوُّ بضعَ دقائقَ ثم يعودُ شباباً إذا عبرتْ نسمةٌ في الطريقْ
نسمةٌ من رجالٍ مقاتلةٍ في الخلا والمضيقْ
أزاحوا دخانَ القنابل عن صفحات المؤرّخ حين رأوا جنّةً خلفَ هذا الحريقْ
وهم درّبوا الموتَ حتى غدا تابعا طيّعاً
وهم علّموا الحربَ درسَ الجمالْ
وهم رقّقوا من حواشي الجبالْ
فصارتْ لهم مثل عمٍّ وخالْ
وقيل لهم أنتم المفردونَ
فقالوا ولكننا المفردونَ معا
وجابوا القرى نسمةً من رجالٍ وسحر حلالٍ على جانبيكْ
هواءُ البلادِ يصلّي عليكْ
***

تصلّي عليكَ البحارُ إذا إلتأمت بعدَ سفر الخروجْ
فقد مرَّ جمعُ الغزاةِ إلى التيهِ والله يجمع شمل المياهِ
يعانقُ كلُّ غريبٍ من الموج أسرته
وأكاليلُ من زبد البحر طارت
تُسبِّحُ من جمّعَ الغرباءَ لديكْ
مياهُ البحارِ تصلّي عليكْ
***

تصلّي عليكَ زهور المروج
ينامُ الأطيفالُ فيهنّ مثل الرحيق
سجوداً لغير سجودٍ
نياماً لغير منامْ
تأبّدَ منهم سكوتٌ تأبّدَ منهم كلامْ
زهورٌ عليها ندىً من غبارٍ
زهورٌ عليها ندىً من ركامْ
وكان المدرّسُ من فرطِ ضجتهم
يشتهي لو يقيّدهم بالحديدْ
وهم يضحكونَ لأن الحديدَ إذا مسّهم صار حلوى
وهم يضحكون بخبثٍ وقد غيّروا كلمات النشيدْ
نَهتْهم عن الضحكِ الطائراتُ فلم ينتهوا
لم يكن من صمودٍ ولا من عنادٍ ولكنه طبعهم
من رأى صبيةً يسمعونَ كلامَ الكبارِ على أي حالْ
يطرقُ الموت أبوابّهم مثل جيش احتلالْ
ويقول أنا الموتُ جئتُ افتحوا
كلما جئتكم قيل لي غائبونَ .. افتحوا
يفتحُ البابَ طفلٌ ويسألهُ وهو يفركُ عينيه
ماذا تريدْ؟
ويتركه حائراً في جواب السؤالْ
سترفع ضحكاتُهم ميّتينَ كجرّافةٍ كل هذا الحطامْ
وترسمُ للموت بالحبر وجهاً عليه بسخريةٍ شاربٌ وابتسامْ
فضحكاتُهم في البيوتِ سوى ضحكةٍ من مكان بعيدْ
تقول اقبلوا العذرَ منّا إذا ما جُننّا
نموتُ ونضحكُ هل من مزيدْ
يقيمُ قيامتَنا الطفلُ منهم ويذهبُ حيث يكون الكرامْ
يقبّلُ كفَّكَ .. سلّمْ على الصبحِ باسمي غداً
ثم يدخلُ في زهرة لينامْ
تضم على الطفل أوراقها
و تدلّلهُ
وتناجيهُ
نمْ يا حُبيّبُ
نمْ يا شُهيّدُ
نمْ يا أُميّرُ
نمْ يا مُلَيْك
زهورُ المروجِ تصلّي عليكْ
***

تصلّي عليكَ التي اتّشحت بالسوادْ
وليس لها ميّتٌ كي تقيَم عليه الحدادْ
أمّةٌ تتفرّسُ في قسماتِكَ
تمسكُ طرف كسائكَ
وهي على سنّها عرفته
وقامت تناديكَ يا حسن الخير
هذا كساءُ النبي وهذي عمامته
هذه بردةُ الخلفاء على كتفيكْ
ولم تتكلم حياءً فهذا مقام الحياءْ
ولكنها وقفتْ مثل ظبيٍ بباب خباءٍ
يرى فيه سيفا وعسَّ حليبٍ وطفلاً عليه المهابة
فيه فضولٌ وفيه اشتياقٌ وفيه وفيهِ
يشيرُ تعال لظبيٍ يليهِ وظبيٍ يليهِ
إلى آخر الأرض صفاً طويلاً على سنّها وقفتْ في العراءْ
أمّةٌ من ظباءْ
أمّةٌ من حمامْ
أمّةٌ من رجالْ
أمّةٌ من نساءْ
أمّةٌ في الركامْ
أمّةٌ في السماءْ
أمّةٌ متعبة
جدّةٌ في صلاة العشاءْ
تراقب نشرةَ أخباركم وهي ممسكة بالعباءةِ
كالطفلة المستجيرةِ تنتظر الخبر المشتهى
فلما رأتكَ بوجهٍ جميلْ
نهيت الزمانَ كذا فانتهى
أقامت من الشعر وزن الطويلْ
وقالت:

أبايعكمْ يا سيّدي وابن سيّدي
إذا كنتُ أهلاً أن تصافحكم يدي

فأنتَ كريمُ الأصل والفرع والجنى
وأنتَ الرضا من آلِ بيتِ محمّدِ

ومَن أمّهُ الزهراءُ تشفعُ للورى
ووالدهُ الكرّارُ في كل مشهدِ

وأنتَ سلكتَ الوعرَ بالناس هادياً
وغيرُكَ ضلّوا في الطريقِ المُعبَّدِ
***

وصار الكساءُ سفينةَ نوحٍ رستْ من قراهم على مقربةْ
وإن صفوفاً من المؤمنينَ لتنتظرُ الإذنَ منك لتدخلَ فيه
فتشملُهم عصمةُ الله بين يديكْ
فقد أصبحوا الآن أهل الكساءِ
وأعني بأهلٍ جديرين أن يدخلوه
وأعني هم الأهل إخوته وبنوه
وهم رغم أخطائهم نسجوه
فيا ابنَ عليٍّ وفاطمةٍ بنت أحمدَ
حدّقْ بأعينهم واحداً واحداً
عندما يصعدونَ إليكْ
وصلِّ على من يصلّي عليكْ
لأنك سوف ترى في عيون الورى عندها والديكْ





الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)