مقام عراق - الهلال - تميم البرغوثي | القصيدة.كوم

شاعر فلسطينيٌّ (1977-) حقق انتشاراً إعلامياً واسعاً.


7484 | 0 | 4 | 1



كُفّوا لسانَ المراثي إنها تَرَفُ
عن سائرِ الموتِ هذا الموتُ يختلفُ
وضَمّدُوا النخلَ سَبعاً إنه زمنٌ
للحرب لا السِّلْمِ فيه يُرْفَعُ السّعَفُ
ضَلَّ الكَلامُ وضَلَّ المهتدونَ به
إن الصفاتِ خِياناتٌ لما تَصِفُ
المرءُ سرٌّ ووَجْهُ المَرْءِ يكتُمُهُ
تَحتارُ هَلْ عرفوا أم بَعْدُ ما عرفوا
تُخْبِرُهم فَتَرى في صمتهم خَدَراً
كالشيخِ عَزَّاهُ عن قَتْلِ اْبْنِهِ الخَرَفُ
إن يصبروا لا تُصَدِّقْ أنهم صَبَرُوا
أو يضعفوا لا تُصَدِّقْ أنهم ضَعُفُوا
يا من تصيحونَ يا وَيْلِي ويا لَهَفِي
واللهِ لم يأْتِ بعدُ الوَيْلُ واللَهَفُ
هذِي المصيبةُ لا يرقى الحِدادُ لها
لا كربلاءُ رَأَتْ هذا ولا النَّجَفُ
** **

(هذا استهلال،
والاستهلال استهلال الدمعِ واستدعاءُ الهلال،
والهلال مقياسُ الزمان وسِجِلُّ المسلمين،
قُلامةُ الظفر،
وقارِب الفِضَّة،
مهدُ الليل وطريدُ النهار فيه...)

يا هلالْ
عَلَمَ المؤمنينْ
أيها القاربُ المتَأَرجِحُ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالْ
شمالك مُعْتَلَّةٌ واليمينْ

يا هلالْ
أيها القاربُ المتأرجحُ تمحو وتكتب كيفَ تميلُ مصائرَنَا
في الحروبِ المقيمةِ أو في السلامِ السِّجالْ

يا هلالْ
يا مشابكَ شعرِ الصبايا وقوسَ الرموشْ
يا قُلامَةَ ظُفْرِ الوحوشْ
تحوِّلها من زئير الصَّحاري إلى نقشةٍ في ثياب المدارسْ

يا قُلامَةَ ظُفْرِ الرجالْ
تقيَّدُهم بالبلاغةِ في السُّوَرِ البَيِّناتِ
فلا يعتدون على الذاتِ والآخرينْ

يا هلالْ
يا ابتسامةَ ليلٍ عليلٍ، يُجَامِلُ أمثالَنا الزائرينْ
يا أنينْ
يا جنينْ
يا حزينْ
يا مؤانسْ
بليلٍ طويلِ الهمومِ بطيءِ النجومِ كثير الوَسَاوِسْ

ويا أيها الشاهد الأبديّْ
يا حبيب النبيّْ
ويا من أضأت الطريقَ لجبريلَ
تُمسِكُه من يَدَيْهِ لغارِ حِراءٍ
وقلتَ لَهُ:
إنَّهُ هاهُنا فَتَفَضَّلْ
ويا من تَنَقَّبْتَ حَتَّى هَرَبْتَ وهَرَّبْتَهُ
وَسُيوفُ قريشٍ بأغمادِها تَتَمَلْمَلْ
ويا من هَدَيْتَ الحَمَامَةَ أن تَضَعَ العُشَّ في باب مخبئِهِ
دونَ أيِّ مكانٍ سواهُ على رُقْعَةِ الصَحَراءْ
ويا من تبسَّمَ مِثْلَ الشيوخِ بأعراسِ أحفادِهم،
وكأنَّكَ وحدَكَ تَفْهَمُ أيَّ انتقامٍ أرادَ لهم
حينَ قالَ:
اذْهبوا أنتم الطُلَقَاءْ
ودونَ جميعِ الذينَ أَحَبُّوكَ من أُمَمِ الأرضِ
أَهْدَيتَ نَفْسَكَ للطيّبينَ
إذا ما بَنَوا قُبَّةً يا هلالُ
تجاورُها وتغازِلهُا
وتُجَمِّلُها وبها تَتَجَمَّلْ

ألا يا صباحاً تأجَّلْ
شَهِدْتَ تَفَرُّعَ تَاريِخِنا كَقُرُونِ الغَزَالْ
وتَحَمَّلتَ صُحْبَتَنَا ما اْسْتَطَعْتَ
رَغِيفاً يُغَمَّسُ بالزيت فجراً
دنانيرَ يرمي بها الشعراءُ لخَمَّارِهم
لا لتبذيرِهم بل لأنَّ الدنانيرَ ليست تليقُ بشعرٍ يقالْ
ووجهاً لجاريةٍ تتقنُ العَرَبِيَّةَ لكنَّها خلطت بين زايٍ وذالْ
وترساً عتيقاً توارَثَهُ بائعُ الخَزِّ عن جَدِّهِ البَدَوِيّْ
يُفاجِئُهُ كُلَّما احتاجَهُ أَنَّهُ لم يَزَلْ صالحاً للقتالْ
وتَحَمَّلْتَ صُحْبَتَنَا ما اْسْتَطَعْتَ
ترى ما ترى من قبيحٍ فتغضبُ منّا
إلى أن ترى ما ترى من جَمَالْ

تشاركنا كلَّ ليلٍ قصيرٍ وتسهرُ وحدَكَ في كلِّ ليلٍ يَطُولْ
ثُمَّ أنتَ الذي نامَ بينَ المقابرِ كَيْ لا يَرَاهُ المغولُ ببغدادَ يا صاحبي
وَعُدْتَ، كما يَصِفُ اْبْنُ الأَثِيرِ، تُعانِقُ من عاشَ مِن أهلِها
بعد شهرٍ وعشرٍ
لكي تَتَدَبَّر أَمْرَ المعايِشِ،
لا بُدَّ من قَمَرٍ يَسْهَرُ الليلَ
حتى وإن كانَ فيها مَغُولْ

يا جَلِيلَ النُّحُولْ
يا خَفِيَّ الكمالْ

أيُّها الصفحةُ المستديرةُ
ليسَتْ بياضاً تماماً
وليست سواداً تماماً
وليسَ يضيعُ عليها الكلامُ
وليسَ يُسَجَّلْ
ويا سِرَّ قوميْ الذي ما تَأَوَّلْ
ويا من أَعِنَّةُ أعمارِنا في يَدَيهِ
ويا مَنْ يُشِيرُ إلى قِبْلَةِ اللهِ ما يَتَحَوَّلْ
يحنُّ إليها، تَحِنُّ إليهِ
لذا تُبصرونَ ذِراعَيهِ ممتَدَّتَيْنِ كما دائماً للعناقْ

يا هلالاً تَنَزَّلَ من أُفْقِهِ
غُرَّةً في جبينِ البُراقْ
يا هلالاً حراماً عليهِ المحاقْ
يا هلالاً لنا
يا رفيقَ الرفاقْ
هل سَأَلْتَ وأنت تَعُدُّ خُطَانَا
مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ حتى اجتياحِ العِراقْ
هل رَفِقْتَ بنا
يا رفيقَ الرفاقْ

يقول الهلالْ:
أنا الاحتمالْ
أنا الزَّعمُ أن الإضاءةَ في الليلِ ممكنةٌ دونَ أن تظلمَ النارُ زيتاً
ودونَ افتخارِ الدُّخَانِ بلا وَجْهِ حَقٍّ على العالمينْ
أنا الليلُ حينَ يخالفُ فِطْرَتَهُ ويُضِيءُ
أنا الاحتمالُ الضئيلْ
أقولُ لكم إنَّ شمساً، وإن فارَقَتْ، ما تَزَالُ هُنا
في زوايا السماءِ
ووجهيِ عليها الدَّليلْ
أنا الاحتمالُ الخفيفُ الثقيلْ
أنا كُلَّما أضَعَفَ الله ضوئيَ طالَبْتُكم أن تَرَوْنِيَ أكثَرَ
هاتوا مناظيرَكُم واستعِدُّوا
أنا الأَمَلُ المستَغِلُّ الذي دائماً يطلبُ المستحيلْ

يُوقِنُ الراصدونَ بأن لا صَبَاحَ سَيَطْلُعُ مِنِّي
لأني ضعيفٌ نحيفٌ هزيلْ
ويأتونكم بالبراهينِ، هذا هُوَ العِلْمُ
إن الأَهِلَّةَ أَبْخَلُ من أن تَجُودَ عليكم بنورٍ
وإن الأَهِلَّةَ محضُ صخورٍ
ويأتونكم بالبراهينِ
وعدُ الهلالِ لكم بالضياءِ ضلالْ
ويقولون إذ يُمْعِنُ الليلُ في نَفْسِهِ
وأكادُ أغيبُ
انظروا، إنه سوف يَتْرُكُكُمْ للظلام،
ويَنْتَحِلُونَ لِيَ العُذْرَ،
إن الظَّلامَ كَثِيرٌ
وإن الهلالَ قليلْ

ولكنَّهُم يُذْهَلُونَ إذا ما أَطَلَّ عليكم بِوَجْهِي صباحٌ جديدْ
لم أَغِبْ، كنتُ أحضِرُه من مَكَامِنِهِ،
أَيْ نَعَمْ، مِتُّ حتى أتيتُ بِهِ
فأنا الميِّتُ الحيُّ فيهِ
اذكروني اذكروني إذا جاء صبحٌ
ففي كلِّ صبحٍ هلالٌ شهيدْ

وقال الهلالْ:
أنا الاحتمالُ بكل المعاني
أنا الاحتمالُ الذي في السؤالْ
أنا الاحتمالُ الذي في القواعدْ
أنا الاحتمالُ بمعنى الأَمَلْ
أنا الاحتمال الذي في الجَمَلْ
أنا الاحتمال بمعنى الرَّحِيلِ
إذا اْرْتَحَل الرَّكْبُ قِيلَ اْحْتَمَلْ

وقال الهلالْ:
أنا ذو الشهادةِ
بالمعنيينِ، شهيدٌ، وشاهدْ
وكل احتمالٍ يكونُ شهيداً
وكل شهيدٍ يظلُّ احتمالاً
فصبراً زماني
ستدري، إذا أَذِنَ اللهُ لي فِيكَ،
أيَّ عَدُوٍّ كريمٍ تُعانِدْ

أنا بِذْرةٌ في حقولِ الليالي
يُبَشِّرُها بالزوالِ اكتمالي
وإنْ أكتملْ فاْكْتِمالي زَوَالي
وإن زُلْتُ عُدْتُ إلى مَوْلِدِي
بذرةً في حقولِ الليالي

ظلامٌ ونورٌ وحقٌّ وزورٌ وطفلٌ وماردْ
أنا الليلُ في النُّورِ والنُّورُ في الليلِ
والكُلُّ في الجزءِ والجزءُ في الكُلِّ
أعني المعاني جميعاً
ومعنايَ واحدْ

ألا أيُّها الناسُ لا تَسألوا هل رَفِقْتُ بكم
أَمِثْلي يُعَاتِبُهُ مثلُكم؟
أنا صاحبُ النَّولِ
ظهري تَقَوَّسَ من جِلستي
إذ أَسُلُّ من الليلِ خَيطاً فَخَيطاً
وأَغْزِلُ ثوباً لكم
ثُمَّ في ليلةٍ من ليالي المحرَّمْ
أتاني الغزاةُ إلى منزلي
يَلبسُونَ الحديدْ
والأدِلاَّءُ منكم
ألا أيُّها الناسُ لا تسألوا هل رَفِقْتُ بكم
واسألوا
هل حفظتم عَلَيَّ مَشِيبي
وعهديْ البعيدْ

الموت محتملٌ ضيفاً به ثقلُ
كذا قيامِيَ بعدَ الموتِ، مُحْتَمَلُ
والليلُ حِمْلٌ أنا مِنْ تحتِه جَمَلُ
يا قائِمِيْ الليلِ لا خوفٌ ولا وَجَلُ
أنا لكم وَلَدٌ إن شِئْتُ أو سَلَفُ

قالَ الهلالُ وبعضُ القَولِ لا يَصِلُ
إلا إذا ماتَ بعضُ القَوْمِ أو قُتِلُوا
هل يَعْلَمُ المدَّعُونَ العَجْزَ ما فَعَلُوا
قَدْ أَثْكَلُوا اللهَ لو من شَأْنِهِ الثَّكَلُ
بلْ ذاكَ أهْوَنُ من بعضِ الذي اقْتَرَفُوا
كُفُّوا لسانَ المراثي إنها تَرَفُ
** **





الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)