أخي في القصيدة - مهند ساري | القصيدة.كوم

شاعرٌ أردنيٌّ (1968-) يحمل الدكتوراة في الأدب العربي. قصيدته مشغولةٌ. يتخفّى عن الأنظار، ليكونَ أول من ينحسر الماءُ عنه لحظة انتهاء الطوفان.


1793 | 0 | 0 | 0



- إلى الشاعر خالد محادين-

التقيتُ به قبْلَ عشرينَ
عاماً.. وأكْثَرْ
كانَ مُنْشَغِلاً بإدارةِ بعْضِ العوالِمِ..
حدَّثْتُهُ عن طُموحي الذي
لمْ أَعُدْ أتَذَكَّرُهُ الآنَ
لكنَّهُ كانَ يَبْحَثُ عن عُشْبَةٍ في كلامي !
شَرِبْنا معاً قَهْوةً، وافْتَرَقْنا؛
أنا: لأُسافِرَ في الأرْضِ،
وهْوَ: ليَبْقَى
على شَفْرَةِ الأَرْضِ أَخْضَرْ
قبْلَ عشرينَ عاماً.. وأَكْثَرْ.

كمْ تُدَخِّنُ - قُلْتُ –
فقالَ: لِحيْنِ انتهاءِ القصيدةِ.
قُلْتُ: متى تَنْتَهي مِنْ كتابَتِها؟
قالَ: حينَ سَيَخْفِتُ في جَسدي عُشْبُها
ويَجِفُّ على طَلَلي طَلُّها.
/ لم يَكُنْ يومَها غيمةٌ في السَّماءِ
لِيَخْدَعَني:
§         · : ' ليسَ هذا الذي سالَ دَمْعي'
§         § : أَجَلْ!
– قُلْتُ مُعْتذِراً عن وضوحِ العواطِفِ - !
يا صاحبي، ربَّما ظِلُّها
مَرَّ بَيني وبينَكَ كالإستعارةِ بينَ
زَمانينِ، أَو بينَ زيتونتينِ..
ولكنَّنا مِثْلُها؛
مثْلُ هذي السَّماءِ التي نَقَصَتْ غيْمَةً
بعْدُ لم يُنْتَقَضْ، في المَدَى، غَزْلُها
ليكوْنَ لنا دَمْعُها
ويكونَ لها ذَحْلُها !
ليْسَ دَمْعَكَ هذا الذي سالَ!

لا أَذْكُرُ الآنَ كيفَ ابْتَعَدْنا ولمْ
نَبْتَعِدْ
كنتُ مُنْشَغِلاً باكتشافِ العوالمِ،
كانَ يُديرُ العوالمَ في
عَزْفِهِ المُنْفَرِدْ !.
شاعرٌ من خلايا التُّرابِ الكَليمةِ،
مِنْ شُرْفَةٍ في الجنوبِ المُطِلِّ على
الغَيْبِ
يَكْتُبُ للأرْضِ، حِيْناً، فَيَفْنَى
وللنَّاسِ، حيْناً، فَيَبْقَى..
وَيَمْشي على الجَمْرِ، في الكلِماتِ، كَمَنْ
يَبْتَرِدْ !

لا يُطيلُ الإقامَةَ في نَفْسِهِ
فَلَهُ نُزُلٌ في النَّدى والحديقةِ
ذاكَ أَخي في القصيدةِ
علَّمَني أنْ أَغيْبَ لأَحْضُرَ
أنْ أَتَكَثَّفَ في شَظَفِ الظِّلِّ:
إنْ حَضَرَ اليومُ في أَمْسِهِ - قال لي -
كانَ أَجْدَى لِيَمْلأَ، منْ غَدِهِ، كَفَّهُ..
فاسْتَعِدَّ لِتَمْلأَكَ الكلِماتُ
بِتِبْرِ السَّماواتِ والأَرضِ تحْتَ الظَّهيرةِ..
تَحْتَ الظَّهيرةِ إذْ تَرْتَعِدْ
من حرائقَ خضراءَ في العُشْبِ
آنَ تَهِلُّ عليكَ الرُّؤَى.. والبَرَدْ !

كنتُ أَطْوي الحياةَ رُوَيْداً رُويداً
ويَنْشُرُني هُوَ في صفَحاتِ الجريدةِ
قُلْتُ: فَضَحْتَ مَجازي
وأَلْقَيْتَني في رياحِ القصيدةِ قَبْلَ
اكْتمالِ جَناحي
وَصيَّرْتَني شاعراً يَحْمِلُ العِبْءَ/
عِبْءَ اسْمِهِ !
قالَ: لا ' دَخْلَ' لي بكَ،
ها أنتَ ذا والقصيدةُ..
قلْتُ: أنا، يا صديقي، فتىً
غابَ للتَّوِّ عن أُمِّهِ
لا حكايةَ لي،
لا كلامَ معي غيرَ دمْعي الشَّحيحِ
وما من شِجارٍ لقلبي معَ النَّهْرِ والسِّنْديانِ
لأَكْتُبَ عن هَمِّهِ !
لا خلافَ لِشِعْريَ معْ نَظْمِهِ !
قالَ: كُنْ رجُلاً واختَلِفْ
أوَّلُ الشِّعْرِ أنْ يُخْتَطَفْ
نومُ قلبِكَ عن نوْمِهِ
أَوَّلُ الشِّعْرِ يَبْدأُ منْ
رَعْشَةِ العُشْبِ،
في.. حَيْرَةِ المُنْتَصَفْ

لسْتُ أَنْسَى، هنالكَ، شكْوايَ،
-       وهْوَ يَدُسُّ الجَراءةَ في خَجَلي -
§         § : كيفَ طوَّحْتَني في العَراءِ، ولا
ملْحَ في دَمْعتي،
لا حديقةَ في عَسَلي ؟!
قالَ: إنّي أُديْرُ العوالِمَ حَسْبُ،
ولا 'دَخْلَ' ليْ بكَ
لا 'دَخْلَ' ليْ !
*    *
قَبْلَ يَوْميْنِ في الجامِعَهْ
بَعْدَ عشرينَ عاماً وعامَيْنِ،
في قاعةٍ واسِعَهْ
التقَيْنا، هنالكَ، في قلْبِ عمَّانَ
في التَّاسِعَهْ
مِنْ صباحٍ مَطيرٍ.. فبلَّلَني قلْبُهُ
قالَ لي: لا عِناقَ، فإنَّ ربيعي
تأَخَّرَ عن موْعدِ العُشْبِ خَمْسَ دقائقَ
فاسْتَيْقَظَ الرَّمْلُ في جَسَدي!
قلْتُ: ماذا ستَفْعَلُ؟
قالَ: سأَحْيا على 'عِلَلي' ومَجازي
فَلي أَبَديَّةُ صحْراءَ لا
يُوْجِعُ القَلْبَ كُثْبانُها النَّاصِعَهْ
لي، هنالكَ، في غُرْفةِ العَمَلِيّاتِ
حُرِّيَّةُ الأَلَمِ الرَّائعَهْ!
وضَحِكْنا لأَنّا تَعِبْنا منَ الدَّمْعِ..
عاتَبَني لغيابي الضَّروريِّ
§         · : هلْ تَعْرِفُ النَّوْمَ؟ - قالَ
كَمَنْ يَتَفَحَّصُني –
قلْتُ: لا نوْمَ للقلْبِ مُذْ
شَقَّ عُشْبي طريقَ الرُّؤى والحرائقِ
في صَخْرَةٍ جائعهْ.
وضَحِكْنا معاً منْ حياةٍ تُوَرِّثُ
أَخْطاءَنا لِسِوانا، لِنُبْصِرَها
خارجَ الكلِمات.. فَنَعْرِفُها!
لمْ نَكُنْ أَتْقياءَ ولا عَبثيِّيْنَ – قُلْتُ –
ولكنَّنا قدْ صَعِدْنا على جَبَلٍ
لِنُخَفِّفَ عنْ مَلَكِ الموْتِ عِبْءَ
الطَّريقِ.. وطولَ المسافةِ!
تلْكَ طريقتُنا لِنَقُولَ لهذي الحياةِ:
وداعاً.. وشُكْراً
على كلِّ شيءٍ،
على كلِّ لا شيءَ شُكْراً
فللْشُّعراءِ طريقَتُهُمْ في التَّهَكُّمِ
للشِّعْرِ سُخْريَةُ الحِكْمَةِ اللاَّذِعَهْ!

قالَ لي: قد رَأَيْتُ غُبارَكَ يعْلو
كأنَّكَ، حقاً، تَشاجَرْتَ والنَّهْرِ؟
قُلْتُ: امْتلأْتُ منَ التِّبْرِ
تَحْتَ ظهيرةِ هذي العوالمِ/
.. لمْ يَرْفعِ السِّنْديانُ دمي عن ظلالي
لأَصْعَدَ في رَفْرَفِ العُشْبِ يَوْماً
كَطِفْلٍ، هنالكَ، يلْهو بدَرْبِ الكواكبِ..
لا أُمَّ لي، بَعْدَ موتي هنا، يا أَخي
غِبْتُ كُلِّي عن الغيْبِ
حتّى رجَعْتُ بِنَفْسي لَها
لا نهارَ، ولا ليْلَ لي عِنْدَها!
فُزْتُ بالموتِ وحْدي!
بِقامتِهِ الفارِعَهْ!

لم نَصِرْ شُهداءَ كذلكَ! – قالَ –
ولكنَّنا ميِّتانِ، تُذكِّرُنا الرِّيحُ بالمُفْرداتِ
القديمةِ، بالطَّلَلِ المُتناثِرِ في الضَّوْءِ..
نَحْيا، هُنا وهنالكَ، سَهْواً. ولا
نَرْتوي منْ وُقوفٍ شحيحٍ على حَجَرٍ يَتَنَفَّسُ
لمْ نَسْأَلِ الدَّارَ عَنْ ظُعُنٍ
خَرَجَتْ مثْلَ نَخْلٍ، هنالكَ في،
أَبَدِ الآلِ هابِطَةً.. طالعَهْ
ثُمَّ لم نسْأَلِ الدَّارَ عنَّا..!
ونحْنُ الخليلانِ – يَضْحَكُ –
نَحْنُ الخليلانِ، قدْ نَلْتقي مثْلَما
تَلْتقي صوْرتانِ حِياديَّتانِ.. على
صَفَحات الجريدةِ !
إِذْ عَبَثاً أَنْ تكوْنَ الحياةُ بِلا
عَبَثٍ مُحْكَمٍ!
- وبكَى منْ طرافةِ حِكْمَتِهِ العَبَثيَّةِ - /
§         · : 'لا، ليسَ هذا الذي سالَ دمْعي
ولكنَّها الآنَ في جَسَدي دامِعَهْ'.
قلْتُ: مَنْ هيَ، يا صاحبي ؟!
قالَ جِنِّيَّةُ الرِّيحِ / أَعْني: السَّحابةُ
أُخْتي التي لمْ تَمُرَّ بتلْكَ السَّماءِ،
أَتَتْ بَعْدَها، ملأَتْني
وأَلَقَتْ بِرُوحي إلى القارِعَهْ !
*    *
قَبْلَ يَوْمَينِ أَسْمَعَنا
عَزْفَهُ الأَخْضَرَ المُنْفَرِدْ
وأنا أَتَذكَّرُ ذاكَ اللّقاءَ البعيدَ البعيدَ
هنالكَ في أوَّلِ الشِّعْرِ،
في جَمْرَهِ المُحْتَشِدْ
كانَ كُلِّي يُطِلُّ على الغَيْبِ،
والعُشْبُ في جَسَدي
-    مِثْلما قَدْ تَنَبَّأَ ليْ يومَها –
ساهِراً يَرْتَعِدْ !
وهْوَ يَضْحَكُ:
لا 'دَخْلَ' لي بِكَ
لا 'دَخْلَ' لي !!






الآراء (0)   

دعمك البسيط يساعدنا على:

- إبقاء الموقع حيّاً
- إبقاء الموقع نظيفاً بلا إعلانات

يمكنك دعمنا بشراء كاسة قهوة لنا من هنا:




لا تكُنْ عاطفيّاً
( 3.2k | 0 | 0 )
ألواح من أيام الطُّوْفان لشاعر مجهول-
( 2.3k | 0 | 0 )
منزل أول
( 2.2k | 0 | 2 )
أَعِدُ الموتَ أَنّي.. سأَخْذُلُهُ
( 2.1k | 0 | 0 )
بماذا تفكر
( 2.1k | 0 | 0 )
ما اسم هذا الشيء
( 2k | 0 | 0 )
لم لا أستطيع مع الوقت نسيانها
( 1.8k | 0 | 1 )
تذكرت
( 1.8k | 0 | 0 )
ضباب على الماء
( 1.8k | 0 | 0 )
وحش البحيرة
( 1.7k | 0 | 0 )
أُغْنيةٌ بيْضاء للدُّوريّ/ كِذْبَةٌ بيضاءُ لي
( 1.7k | 0 | 0 )
في الغرفة الاخرى
( 1.7k | 0 | 0 )
أنظم وقتي لفوضاي
( 1.7k | 0 | 0 )
قُرْعَة
( 1.7k | 0 | 0 )
حفريات جديدة في تل قديم
( 1.6k | 0 | 0 )
رمانة إبراهيم
( 1.6k | 0 | 0 )
ستَّ عشرةَ أَيقونةً إلى حسن
( 1.6k | 0 | 0 )
صرت ما كنت أخشى
( 1.6k | 0 | 0 )
هي ترقص
( 1.6k | 0 | 0 )
هُوَ قيسُ الأخير
( 1.5k | 0 | 0 )
في الحروب
( 1.5k | 0 | 0 )
أزور دمشق
( 1.5k | 0 | 0 )
للطّائرات أَقول
( 1.1k | 0 | 0 )
لِتَبْكِ الحمامَه
( 639 | 0 | 0 )
لا تُسَمِّ بلادَكَ
( 605 | 0 | 1 )
لا أَفْهَمُ الدُّعْسُوق
( 598 | 0 | 0 )
كي لأمْشي وأَقْطعَ هذا الطّريق
( 455 | 0 | 0 )
عن شَجَرِ الجميل
( 451 | 0 | 0 )
هكذا الكلماتُ تفْعَل
( 436 | 0 | 0 )
كَسَلٌ عاطفيّ
( 414 | 0 | 0 )
فقط اخْرُجْ
( 406 | 0 | 0 )
خَلُّوا طريقَ الكلامِ لهُ
( 329 | 0 | 0 )
سَرَطان
( 306 | 0 | 0 )
نُزولًا إلى طَبَرِيّا كأَنّكَ تَصعَدُ
( 212 | 0 | 0 )
لَسْتَ أَنْتَ الّذي تَتَكلَّمُ، بَلْ هيَ
( 195 | 0 | 0 )