سيرة حياة لميت - مهدي النهيري | القصيدة.كوم

شاعرٌ عراقيٌّ (1978-) وكما يدلُّ اسمه، فهو نهير شعرٍ عربيٍّ.


1916 | 0 | 0 | 0




(إلى سيَّابٍ ما، وليسَ بالضرورةِ أن يكونَ عراقياً)

أوائلَ أيامِهِ :
كانَ يشربُ خمرَ القصائدِ مبتهجاً..
غيرَ مكترثٍ بسماءٍ تُدَلّي القرائينَ من فوقِهِ..
أواخرَ أيامِهِ :
صارَ يمزجُها بالإلهِ الذي كانَ قبلُ يدلِّي قرائينَهُ..
يومَها ، كانَ سربُ توابيتَ يستطلعُ الردهاتِ
وينهاهُ عن خمرةِ الشوقِ ، تملأُ كأسَ الأنينْ..
وبدرُ يكابدُ وهْوَ يرمِّمُ أعلى ثلاثينهِ بالحنينْ..
إلى وطنٍ غصَّ بالميتينْ..
وكانَ إذا لاحَ موتٌ يغنِّي:
كأنْ كَلِماتي في الأخيرِ ، كأنْ فمي
على قبرِهِ مُلقىً ، كأنِّي بلا سما
تكدَّستَ يا عُمري فصرتَ قصيدةً
أخافُ عليها أنْ تقالَ فتختما
***
وراحَ بلندنَ يثمَلُ باللهِ
أكثرَ مِنْ كلِّ مَنْ يدَّعونَ حراسةَ أسمائِهِ..
قلبُهُ كالرهابينِ يبحثُ بينَ نهودِ الصبياتِ عن ربِّهِ
سرَّهُ أنْ يُّقلِّبْنَ ديوانَهُ
رغمَ أن لم يكنَّ يُفَتِّشْنَ عن بطلٍ أو فتىً للغرامْ..
كانَ مُكتفِياً بالنساءِ يُحدِّقنَ في الشعرِ
لا في وسامتِهِ ، ثَمَّ شيءٌ دميمٌ يسمِّيهِ: وجهاً
يطوفُ بهِ جسدٌ من رُكامْ..
***
لهُ ما لهُ أنَّ الشوارعَ تعرفُ
بأنَّ حماماتِ الوداعِ ترفرفُ
وأنَّ لميدوزا عُيوناً تفتّحتْ
وقد لمحتْهُ، كانَ يبكي وينزفُ
وليسَ بعينيهِ سوى ولدٍ ، سعتْ
حوالَيهِ موسيقى الْجَنائزِ تعزفُ
فقالتْ لهُ : يا بدرُ إنَّ حكايةً
من الحجرِ المنصوبِ بَعدَكَ أترَفُ
ألستَ الذي غنى بويباً فمدَّهُ
كنهْرِ أساطيرٍ من الغيبِ يَذرِفُ
إذاً فتوجهْ للزوالْ ولا تَلُحْ
ولا تبدُ ، إنَّ المستحيلَ معرَّفُ ..
***
جالساً في الرحيلِ تودعُهُ نفسُهُ وتقولُ :
إذا جاءكَ الملَكانِ فقلْ إنني شاعرٌ،
يصبحا خادمينِ على الفورِ
وارمِ السماءَ بنظرةِ مقتنعٍ بالسماءْ..
وإنْ جاءكَ اللهُ فاستفتِهِ عن بلادٍ
تركتَ الضباعَ بها ترتعي بالظباءْ..
ومُتْ بعدَها راضياً بالهباءْ..
***
قطرةًقطرةً نَشَفَتْ روحُهُ في الكويتِ
قريباً من البيتِ ، تعوي رياحُ الخليجُ بأبياتِهِ،
ثمَّ عادَ وفي رئتيهِ حياتانِ :
تحلُمُ أولاهُما بالرجوعِ ،
وتسألُ أخراهُما عن قبسْ..
ولكنَّهُ لمْ يجدْ أهلَهُ ، فأراحَ الفرَسْ..
حينَ جيءَ بهِ فوقَ سيارةِ الموتِ،
كانَ العراقُ يفتشُ عن غرفةٍ لينامَ بها فاعتذرْ..
من بنيهِ الصغيرينَ،
حدَّثَ زوجةَ بدرٍ بكلِّ احترامْ :
آسفٌ أنا سيدتي سوفَ أطردُكم
مثلَما يطردُ النَّسرُ عائلةً من حَمامْ..
كي ينامْ..
لم تكنْ عينُ إقبالَ تبكي كثيراً
بيومِ قُدومِكَ يا بدرُ، وانشغلتْ بدُموعِ المطرْ..
والدواوينُ لا غيرُها: دينُها
والقرى حولها: بلدٌ غامضٌ كالنفاقْ..
وغَيْلانُ كانَ يقولُ أبي:
إنَّ أُنشودةَ الغيثِ تُعلِنُ حفلةَ موتِكَ!
هل فرِحًا كانَ قلبُ العراق؟
ألمْ تكُ تغضبُ ربَّكَ ، تقترفُ المرثياتِ
على المومساتِ ، على القمحِ: ما مرَّ عامْ..
وليس بهذي المدينةِ جوعٌ
وليس بهذا العراقِ حِمامْ..
***
لو فرضنا : العراقُ أحبَّكَ يا والدي،
فلماذا رماكَ معرَّى من اللهِ
من دونِ شعرٍ ومن دونِ ماءْ؟
ونحنُ ،، لماذا رمانا بلا رحمةٍ، صبيةً ونساءْ..
خلفَ دائرةٍ للموانئِ بصريةٍ،
تُهمةً أنَّنا لم نسدِّدْ لهُ أجرةَ الكهرباءْ ؟








الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.