الخروج من ساحل المتوسط - محمود درويش | القصيدة.كوم

محمود درويش هو محمود درويش، حائز على جائزة الإكليل الذهبي عام 2007 وجائزة الأركانة العالمية عام 2008، وجائزة العويس الثقافية دورة 2002-2003 في مجال الإنجاز الثقافي والعلمي (1941-2008)


29 | 0 | 0 | 0



-1-
سيلٌ من الأشجار في صدري
أتيتُ ... أتيتُ
سيروا في شوارع ساعدي تَصِلوا.

وغزّةُ لا تصلّي حين تشتعلُ الجراح على مآذنها،
وينتقل الصباح إلى موانئها، ويكتمل الردى فيها.

أتيتُ ... أتيت
قلبي صالحٌ للشربِ
سيروا في شوارع ساعدي تَصِلوا
وغزّةُ لا تبيع البرتقال لأنه دمُها المعلَّبُ
كنتُ أهرب من أزقَّتها،
وأكتب باسمها موْتي على جميزة،
فتصيرُ سيِّدةً وتحمل بي فتىً حراً.
فسبحان التي أسْرَتْ بأوردتي إلى يدها!

أتيتُ ... أتيتُ
غزّةُ لا تصلّي.
لم أجد أحداً على جرحي سوى فمها الصغير.
وساحلُ المتوسط اخترق الأبد ..

-2-
لا توقفوني عن نزيفي!
ساعةُ الميلاد قَلّدَتِ الزَّمانَ، وحاوَلَتْني
كنتُ صعباً – حاولتني
كنتُ شعباً – حاولتني مرة أخرى ..
أرى صفاً من الشهداء يندفعون نحوي،
ثم يختبئون في صدري ويحترقون.

ما فَتَكَ الزمانُ بهم، فليس لجثَّتي حدٌّ ولكني
أحسُّ كأن كلَّ معارك العرب انتهتْ في جثتي،
وأودُّ لو تتمزق الأيام في لحمي ويهجرني الزمان،
فيهدأ الشهداءُ في صدري ويتفقون.

ما ضاق المكانُ بهم، فليس لجثتي حدّ، ولكنّ
الخلافة حصَّنَتْ سور المدينة بالهزيمة، والهزيمةُ
جدَّدتْ عمر الخلافة.

لا توقفوني عن نزيفي
ساعةُ الميلاد قلّدت الزمان وحاولتني
كنتُ صعباً – حاولتني مرة أخرى
أرى صفاً من الشهداء يندفعون نحوي
لا أحدْ!

-3-
وتقاسمتْني هذه الأممُ القريبةُ والبعيدةُ.
كلُّ قاضٍ كان جزّاراً
تدرَّج في النبوءة والخطيئةِ
واختلفنا حين صار الكل في جزءٍ،
وصار الجرحُ وردتَنا جميعاً
وابتعدنا ...
إذهب إلى الموت الجميلِ –
ذهبتُ.
وحدي كنتُ
قلتم : نحن ننتظر الجنازة بالأكاليل الكبيرة والطبول،
ونلتقي في القدسِ ...
ليتَ القدس أبعدُ من توابيتي لأَّتهم الشهودَ
وما عليك! ذهبت للموت الجميل
ومدينةُ البترول تحجز مقعداً في جنة الرحمن – قلتم لي
وطوبي للمُموِّل والمؤذِّن ... والشهيد!

-4-
تَعِبَ الرثاءُ من الضحايا
والضحايا جَمَّدتْ أحزانها
أوّاه! مَن يرثي المراثي؟
لستُ أدرى أيُّ قافية تحنِّطني، فأصبح صورة في معرض الكتب القريب.
ولستُ أدرى أيُّ إحصائيَّة ستضمُّني ...
يا أيها الشعراء ... لا تتكاثروا !
ليست عظامي منبراً
فدعوا دمي – حبرَ التفاهم بين أشياء الطبيعة والإله
ودعوا دمي – لغة التخاطب بين أسوار المدينة والغزاة.
دمي بريدُ الأنبياء.

-5-
وأعود من تلقاء نفسي ...
ليت شُباكي بعيد كي أرى أمي
وليت القيد أقرب كي أحسَّ النبض في زندي
وليت البحر أبعد كي أخاف من الصحارى
آهِ، ليت الشيء عكس الشيء كي تتآكل الأشياء في
نفسي، وتأخذَ صيغة الفرح الحقيقيّ.
ابتعدنا واقتربنا وابتعدنا
يا أهالي الكهف قوموا واصلبوني من جديدِ
إنني آتٍ من الموت الذي يأتي غداً
آتٍ من الشجر البعيدِ
وذاهبٌ في حاضري – غدِكم.
أنا قشَّرتُ موجَ البحر زنبقةً لغزّة ..

-6-
سيلٌ من الأشجار يخرج من ضلوع الصخر – يصقلني الفناءُ
وجدولٌ يمتد من صدري عموديّاً – وتنحدر السماءُ
رأيتُ رأي القلب – ذوَّبني الضياءُ
فصرت صوتاً، والحصى صار الصدى
وتنفَّس القبرُ القديمُ ...
تحرَّك الحجرُ .. استردَّ دبيبَهُ منكم
أنا الأحياء والمدن القديمةُ
حاولوا أن تخلعوا أسماءكم تجدوا يديّ.
وحاولوا أن تنزعوا أثوابكم تجدوا دمي،
أو حاولوا أن تحرقوا هذي الخرائط تبصروا جسدي –
أنا الأحياء والوطن الذي كتبوهُ في تاريخكم ..
من جثتي بدأ الغزاةُ، الأنبياءُ، اللاجئون –
والآن يختتمون سيرتهم لأبدأ من جديد.

-7-
تتحرَّك الأحجارُ.
هذا ساعدي متمايل كالرعب
ليس الربُّ من سكّان هذا القفرِ
هذا ساعدي.
تتحرَّكُ الأحجارُ،
ما سرقوا عصا موسى.
وإنَّ البحر أبعدُ من يدي عنكم
إذن، تتحرَّك الأحجارُ
إن طلعوا وإن ركعوا، و إن مرّوا وإن فرّوا –

أنا الحجرُ
أنا الحجرُ الذي مسَّتْهُ زلزلةٌ
رأيتُ الأنبياء يؤجِّرون صليبهم
واستأجرتني آيةُ الكرسيِّ دهراً، ثم صرت بطاقةً للتهنئات
تغيَّر الشهداءُ والدنيا
وهذا ساعدي.
تتحرك الأحجارُ
فالتفّوا على أسطورةٍ
لن تفهموني دون معجزةٍ
لأن لغاتِكم مفهومَةٌ.
إن الوضوح جريمةٌ.
وغموض موتاكم هو الحقُّ – الحقيقةُ.
آه، لا تترك الأحجار إلاّ حين لا يتحرك الأحياء
فالتفّوا على أسطورتي!

-8-
لن تفهموني
تخرج العذراءُ من ضلعي
تكون مشيئتي
وأصابُ بالأمطار والبرق الذي أدمنتهُ
لن تفهموني
ناهضاً من قبركم
والأرضُ للشهداءِ –
أنهيتُ المغامرة الأخيرة وابتدأتُ:
هنا الخروج. هنا الدخولُ
هنا الذهاب. هنا الإيابُ
ولا مكان هنا
أنا الزمن الذي لن تفهموني خارج الذي ألقي
بكم في الكهفِ –
هذي ساعتي:
ينشقُّ قبرٌ ثم أنهض صارخاً:
لا تُوقفوني عن نزيفي
لحظةُ الميلاد تسكُنني من الأزلِ، استريحوا في جراحي -
ها هو الوطن الذي يتجَدَّدُ،
الوطن الذي يتمجَّدُ،
اقتربوا من الأشجار وابتدئوا معي!

-9-
في غزّةَ اختلفَ الزمان مع المكانِ
وباعةُ الأسماك باعوا فرصةَ الأمل الوحيد ليغسلوا
قدميّ
أين المجدلية؟
ذابتْ أصابعها مع الصابون
وانهمرت كتاباتٍ كتاباتٍ
وكان الجندُ ينتصرون ينتصرون
كانوا يقرأون صلاتها
ويفتِّشون أظافرَ القدمين والكفين عن فَرحٍ فدائّي،
وكانوا يُلحقون حياتها
بدموع هاجَرَ. كانت الصحراء جالسةً على جلدي.
وأولُ دمعة في الأرض كانت دمعةً عربية.
هل تذكرون دموع هاجر – أوَّلِ امرأةٍ بكتْ في هجرة لا تنتهي؟
يا هاجَرُ، احتفلي بهجرتي الجديدةِ من ضلوع القبر
حتى الكون أنهضُ
يسكن الشهداءُ أضلاعي الطليقةَ
ثم أمتشق القبورَ وساحلَ المتوسطِ
احتفلي بهجرتيَ الجديدهْ.





الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)





ههنا، الآن، وههنا والآن
( 13.3k | 5 | 6 )
لا شيء يعجبني
( 12k | 5 | 10 )
ونحنُ نحبُّ الحياة
( 6.1k | 0 | 1 )
قافية من أجل المعلّقات
( 4.7k | 0 | 1 )
أنا يوسف يا أبي
( 4.5k | 0 | 2 )
في القدس
( 4.3k | 0 | 0 )
مأساة النرجس ملهاة الفضة
( 3.8k | 0 | 2 )
لم يسألوا : ماذا وراء الموت
( 3.7k | 5 | 1 )
تنسى، كأنك لم تكن
( 3.7k | 0 | 2 )
يطير الحمام
( 3.3k | 0 | 3 )
أيام الحب السبعة
( 3.1k | 0 | 3 )
في البيت أجلس
( 3k | 5 | 2 )
لا تعتذر عما فعلت
( 3k | 0 | 1 )
قال المسافر للمسافر: لن نعود كما...
( 2.9k | 0 | 0 )
مقهى، وأنت مع الجريدة
( 2.8k | 0 | 2 )
من روميات أبي فراس الحمداني
( 2.8k | 5 | 1 )
على هذه الأرض
( 2.7k | 5 | 1 )
لا أعرف الشخص الغريب
( 2.6k | 0 | 0 )
لم تأتِ
( 2.6k | 0 | 3 )
سأقطعُ هذا الطريق
( 2.5k | 0 | 1 )
ريتا والبندقية
( 2.5k | 0 | 3 )
لوصف زهر اللوز
( 2.4k | 0 | 0 )
في الانتظار
( 2.4k | 0 | 1 )
أما أنا، فأقول لاسمي
( 2.1k | 0 | 2 )
سيناريو جاهز
( 2.1k | 0 | 0 )
بغيابها كونت صورتها
( 2.1k | 0 | 1 )
لاعب النرد
( 2.1k | 0 | 3 )
لي حكمة المحكوم بالإعدام
( 2.1k | 0 | 0 )
أبد الصبار
( 2k | 0 | 0 )
فرحاً بشيءٍ ما
( 2k | 0 | 2 )
أرى شبحي قادماً من بعيد
( 2k | 0 | 0 )
لبلادنا
( 1.9k | 0 | 1 )
سقط الحصان عن القصيدة
( 1.9k | 4 | 0 )
طباق
( 1.8k | 0 | 4 )
الجميلات هن الجميلات
( 1.8k | 0 | 0 )
للحقيقة وجهان، والثلج أسود
( 1.7k | 0 | 1 )
درس من كاما سوطرا (انتظرها)
( 1.7k | 1 | 2 )
كما لو فرحت
( 1.7k | 0 | 0 )
بقية حياة
( 1.7k | 0 | 1 )
هو هادئٌ ، وأنا كذلك
( 1.7k | 0 | 5 )
الكمنجات
( 1.7k | 0 | 0 )
هو، لا غيره
( 1.6k | 0 | 0 )
في المساء الأخير على هذه الأرض
( 1.6k | 0 | 0 )
إن مشيتَ على شارعٍ
( 1.6k | 0 | 0 )
هي لا تحبك أنت
( 1.6k | 5 | 5 )
أتذكر السياب
( 1.5k | 0 | 0 )
في بيت نزار قباني
( 1.5k | 0 | 1 )
تعاليم حورية
( 1.5k | 0 | 0 )
من أنا بعدَ ليلِ الغريبةِ؟
( 1.5k | 0 | 0 )
كيف أكتب فوق السحاب
( 1.5k | 0 | 0 )
زيتونتان
( 1.4k | 0 | 0 )
عندما يبتعد
( 1.4k | 0 | 0 )
أثر الفراشة
( 1.3k | 0 | 2 )
فكّر بغيرك
( 1.3k | 5 | 2 )
لي خلف السماء سماء
( 1.3k | 0 | 1 )
هي/هو
( 1.2k | 0 | 1 )
لا أنام لأحلم
( 1.2k | 0 | 1 )
تُلامُ الضحية
( 1.2k | 3 | 1 )
سيجيء يوم آخر
( 1.2k | 0 | 0 )
أطوار أنات
( 1.2k | 0 | 0 )
السروة انكسرت
( 1.1k | 0 | 0 )
عزف منفرد
( 1.1k | 0 | 0 )
عن اللاشيء
( 1.1k | 0 | 0 )
الآن... في المنفى
( 1.1k | 5 | 1 )
لا تكتب التاريخ شعراً
( 1k | 0 | 0 )
أنزل ، هنا، والآن
( 941 | 0 | 1 )
ذات يومٍ سأجلس فوق الرصيف
( 937 | 0 | 1 )
أقول كلاماً كثيراً
( 931 | 0 | 1 )
رَجُلٌ وخِشفٌ في الحديقة
( 886 | 0 | 0 )
الظل
( 861 | 0 | 0 )
تمارين أولى على جيتارة أسبانية
( 796 | 0 | 1 )
قتلى ومجهولون
( 787 | 0 | 0 )
لا شيء إلا الضوء
( 723 | 2 | 0 )
لا ينظرون وراءهم
( 719 | 0 | 0 )
على قلبي مشيت
( 657 | 0 | 0 )
أنا واحد من ملوك النهاية
( 649 | 0 | 0 )
قال لها: ليتني كنت أصغر
( 617 | 0 | 1 )
إجازة قصيرة
( 554 | 0 | 2 )
كن لجيتارتي وتراً أيها الماء
( 545 | 0 | 0 )
هنالك عرس
( 524 | 0 | 0 )
ليس للكرديِّ إلّا الريح
( 518 | 0 | 0 )
في صحبة الأشياء
( 456 | 5 | 2 )
يحبّونني ميّتًا
( 438 | 0 | 0 )
غريبان
( 412 | 0 | 1 )
ربيع سريع
( 380 | 0 | 1 )
تقاسيم على الماء
( 374 | 0 | 0 )
وجوه الحقيقة
( 373 | 0 | 0 )
مديح النبيذ
( 356 | 0 | 2 )
وقوع الغريب على نفسه في الغريب
( 335 | 0 | 0 )
عالٍ هو الجبل
( 275 | 0 | 0 )
مناصفة
( 258 | 0 | 0 )
جدارية - 1
( 232 | 5 | 4 )
جدارية - 2
( 207 | 0 | 0 )
مزامير
( 200 | 0 | 0 )
ريتا أحبيني
( 176 | 0 | 0 )
اللقاء الأخير في روما
( 158 | 0 | 0 )
قتلوك في الوادي
( 142 | 0 | 0 )
امرأة جميلة في سدوم
( 138 | 0 | 0 )
لوحة على الجدار
( 136 | 0 | 0 )
من فضة الموت الذي لا موت فيه
( 132 | 0 | 0 )
آه ... عبد الله
( 121 | 0 | 0 )
رحلة المتنبي إلى مصر
( 109 | 0 | 0 )
اغتيال
( 106 | 0 | 0 )
الصوت الضائع في الأصوات
( 67 | 0 | 1 )
أَنت، منذ الآن، أَنت
( 55 | 0 | 0 )
لم أحلم
( 53 | 5 | 1 )
ماذا ... لماذا كلُّ هذا؟
( 52 | 0 | 0 )
ليتني حجر
( 50 | 0 | 0 )
لون أصفر
( 48 | 0 | 0 )
مَكرُ المجاز
( 47 | 0 | 0 )
شال حرير
( 46 | 0 | 0 )
ليت الفتى شجرة
( 45 | 0 | 1 )
خيالي ... كلب صيد وفيّ
( 45 | 0 | 0 )
يرى نفسه غائباً
( 44 | 0 | 0 )
قال: أَنا خائف
( 44 | 0 | 0 )
الحياة... حتى آخر قطرة
( 42 | 0 | 0 )
ما أنا إلاّ هو
( 41 | 0 | 0 )
شخص يطارد نفسه
( 41 | 0 | 0 )
البنتُ / الصرخة
( 40 | 0 | 0 )
طريق دمشق
( 26 | 0 | 0 )
يوم
( 21 | 0 | 0 )
السجين والقمر
( 21 | 0 | 0 )
طوبى لشيء لم يصل!
( 21 | 0 | 0 )