من الدفتر السري الخصوصي لإمام المغنين - مظفر النواب | القصيدة.كوم

مظفر النواب

Muthaffar al-Nawab

شاعر وناقد ومعارض سياسي بارز عراقي من أصول هندية، اشتهر بشعره السياسي (1934-2022)


245 | 0 | 0 | 0




على أوّلِ الذكريات
تهبُّ رياحُ الشتاءِ
وفي أولّاتِ المواسم
تمطرُ شيئاً على الحدسِ قبل المطرْ
وتصعدُ في الجمر رائحةُ الكستناءِ
وستّ البنات التي ضاجعتها الخيولُ
وفاض البنفسج من روحها
واحتواها القمرْ
وشيئاً فشيئاً تدبُّ الطراوةُ في الجفن
يعرق ثانيةً
كالمراهق حين يعالج أول منعٍ
وتعبقُ فيه اللزوجة
والزهراتُ الشتائية الأصل
تمطرُ في الحدس
تكتظّ جمجمتي بالشقائق .. والحدس .. والفكر .. والليل
تمطر .. تمطر .. تمطر ..
تواكب كشف قميصي
ويعشوشب المفرقُ الأنثويُّ الرفيعُ
المميّزُ لامرأتي بين كل النساءِ
وتزغبُ كل الخفايا الخجولة في مغطس الليل
حيث الخفاء الوثير
يؤدّي إلى سلّمٍ لؤلؤيٍّ
يؤدّي إلى حلمٍ
يستفيقُ على بركتين
وفي البركتين هلام
يشفُّ على وحشةٍ وافتراسٍ
هنا نتكوّن
والانتفاضُ اللذيذُ يصيرُ جنينا
فتمطر.. تمطر .. تمطر .. تمطر ..
والشبابيك ليست هنا
والندى الفستقيُّ يُمَسِّحُ وجه ضياع الجنوب
وللتوِّ توجَّها الكرمُ .. والتينُ .. والحبُّ .. والذكرياتُ
على باب هذا الجنوب
لدى كلِّ حلمٍ أبيتُ
وكلُّ نجومِ السماءِ بناتُ
ويشتملُ الجرحُ الفراشات
والنوم في بُرَكٍ لا نهائيةٍ
يحبس الحسنُ أنفاسَهُ
إذ يخوض بها والقرى خلفها مطرٌ
وأنا في النوافذ
أتبعُ طيرَ الصدى
ثم تخفي الطريقَ القديمَ دموعي
وتمطر .. تمطر .. تمطر .. تمطر ..
وتبدو كتاباتُ روحيَ ثانيةً
من وراء غبار الخريفِ
وتورقُ لاماتُها
تورقُ النون والواو والراء والسين
تورقُ لاماتُها
لم تزلْ هذه الروحُ كوفيّةَ الخطِّ
مغرمةٌ بانتهاكِ الطلاسم
بين صفاتِ البنفسج والفخذين...
وركبِ الخيول المحنّاة صوب بخارى
وخاتمةُ النوم كعبُكِ
يجتمعُ الحلمُ فيه
ويتركُ فيَّ قراءاتِ نوم العصافير
إن العصافيرَ في كرمةٍ
في الجنوب سكارى
أحب الجنوبَ لشيئينِ
فيما يبوحانِ كَتْمَهُما قد بذلتُ القُصارى
وأقسى من البوح
كتمٌ يشيرُ إليكَ
بإصبعه ويدلُّ
وأنتَ ... وغيركَ فيما يبوح حيارى
وحين تنامينَ يلوي النشوءُ بأعناقه
وتشفُّ على بعضها الغفواتُ
وفي أولّاتِ المواسم يبتدئ العشق
بين النعاجِ
ويعشقُ من يفسدون النعاجَ الرعاةُ
وحين يروحون في الشرقِ
أبقى وحيداً وتنتشرُ الخلواتُ
وأحلمُ أمّي على صهوة المُهر
أقطف تفاحةً
وأخبّئُها بين نهديك خضراءَ
تنضجُها الشهواتُ
وبين الخلائق من يخلقونَ النواةَ
وأمّا الكثير فقد خلقَتْهم نواةُ
وتلك معادلةٌ صعبةٌ
وأشدُّ الصعوبات فيها الثقاةُ
وإني على مطلق الأمر
أعرف كلَّ نواةٍ بتاريخها
وكيف تمدُّ إليها اليدين الحياةُ
وكنتُ مع الحلم أحلمُ
أحملُ فانوسَ كلِّ نهارٍ يجيءُ
أواصل سكري بالكون من غير مزجٍ
ويربكني أن أقوى الخمورِ الرديءُ
وأغسلُ حنجرتي بالنبيذِ
ففي القلب حزنٌ جبانٌ وحزنٌ جريءُ
لكم عذّبَتْني الرياحُ تغيِّرُ وجهتَها
دون سابقةٍ والفراق دنيءُ
وكم أنتَ رغم الوضوح خبيءُ
وكم أنتَ مثل جناح الفراشة
في الحلم زاهٍ بطيءُ
وكم أنتَ تعشقُ رأسَ الحسين الذي فوق رمحٍ
ولا يستريحُ
تأبّى الذوائبُ مذ ثبّتَتْها الدماءُ
على غرّةٍ أن تزيحَ
ومن ثبّتَتْهُ الدماءُ محالٌ يزيحُ
دعوتُكَ أنتَ المعلّمُ
إن كان علمٌ فتلكَ الجروحُ
ألوفٌ وراءكَ في الدرب سارت
لينهضَ شيءٌ صحيحٌ
فما نام إلا الصحيحُ
يباهي اليسارُ الصحيحُ بأنكَ في قلّةٍ قد حملتَ السلاحَ
وغاليتَ في مبدأٍ إسمه سلطةُ الفقراءِ
وهذا غلوٌّ صحيحُ
يلومونَ أنيَ أنفخُ نارَ التراث
أنا أرفضُ الخردواتِ من الفقهاء
فثمَّ تراثٌ.. وثمَّ فحيحُ
ولي أمةٌ طالما كلُّ ناسٍ لهم أمةٌ
مُديةٌ طالما كلُّ ناسٍ لهم مُديةٌ
لغةٌ طالما لغتي تشعلُ الأبجدياتِ عشقاً
وصريحٌ أحبُّ زوايا عيون النساء
صريحُ
وأمقتُ من يشهرون النصوصَ سيوفاً
ومن يكسرونَ النصوصُ
كلا الإنحرافَينِ ريحُ
وأمقتُ من يشهرونَ الحسينَ لغير الوصول إلى ثورةٍ
مثلما جوهرُ الأمر فيه وإلا جنوحُ
لعل الحسينَ إذا ما رأى طفلةً في شوارع بيروت
تنهشُ من لحمها الشهواتُ
وثم شظايا من القصف فيها
سينكرُ مأساتَهُ
والجروحُ على رئتيه تطيحُ
يقولون: من أمّها وأبوها
أقول: الجنوبُ وتاريخه ... والبيوتُ الصفيحُ
وعدتُ اعترفتُ
هو الجوع أكبرُ آبائنا الثائرينَ
ومن كان هذا أبوهُ
تَغَلَّبَ فيه الجموحُ
متى ما تُوَزَّعُ هذه العماراتُ للفقراء
وتجزلُ ألفُ انتهازية
والسلاحُ يقومُ أداءَ مهمّته
سيقومُ المسيحُ
ولست أبشّرُ بالحبّ إلا عنيفاً
وأن يستريحَ على ذلةٍ
وأريحُ
كفاكم نزوحاً وإلا فما تنتهي
ويسدُّ الطريقَ على المهطعين النزوحُ
هناك فداءٌ وليس فدائين
لا تُخدَعوا بفداءٍ بغير سلاحٍ
وكل التعاريج في عير هذا الكفاحِ كسيحُ
ومن أخطأوا ليس عيباً
بل العيبُ أن تبتنى فوق ذاك الصروحُ
ولست أخافُ العواقبَ فيما أقولُ
فإن الشهادةَ من أجل قول جريءٍ ومعتقدٍ
قبةٌ وضريحُ
إذا كان بعض يفكّرُ في النَّيْلِ مني
فهذا أنا
لست أملكُ إلا القميص الذي فوق جلدي
وقلبي وراء القميص يلوحُ
خبرتُ الخليقةَ سطحاً ... وعمقاً .. وطولاً.. وعرضاً
فكان أكبر درسٍ تلقّيته
أن أكون فصيحَ المحبّةِ والحقدِ
فالعقل زيفٌ صريحُ
متى تنهضونَ
لُعِنْتُم على الركض خلف كروشَ الزعامات
فيما الزعاماتُ باعت ذبيحاً وحيّاً
وثم هنالك صفقةُ أرضٍ
فكونوا على حذرِ البندقية
فالديكُ سوفَ يصيحُ
بحقِّ السماواتِ حتى إذا الديكُ صاح على خطأٍ
فهنالك نارُ
وحين تكون الشرارةُ حقّاً وليس كلاماً
فإن الهشيمَ العظيمَ يُصارُ
إذا كان بعضٌ يجيدُ سماعَ الغيوب
سمعتُ انفجاراً
سيأتي ويتبع ذاك انفجارُ
رثيتُ الذين تتاحُ لهم فرصةٌ
أن يكونوا من الثائرين
وناموا على فقرهم خانعينَ
ويدفنهم في الجحورِ غبارُ
لقد سافر الحلمُ قاطرةً
والشبابيكُ لا تنتهي.. والوداعُ استمرَّ
تخالطه نكهةُ المشمش المتأخّرِ
ثم لمحتكِ في آخر العربات
ولم ينتظرني القطارُ
لقد بالغ الإنتظارُ
ساورتْ في الشقوقِ الحمامُ
وما زلت في سكّة الحلم
أحلمُ فانوسَ كلِّ القطاراتِ حتى أطلَّ النهارُ
وفي أولّاتِ المواسم تصبحُ روحي بدون سياجٍ
ومفتوحة لهباء الشتاء
ولغط السواقي... وردع الحمامِ
وينزلق الدمع في القائظ
من وداعَين
تمّا إلى غير ما رجعة في الظلامِ
وقد نلتقي إنما القلبُ
ودَّعَ شيئاً كثيراً
وودَّعَ أكثرَ لما رمتهُ المرامي
لي اللّهُ في غربةٍ
ما خفضتُ الجناحَ لغير الأحبّة فيها
وفي يقظتي والمنامِ
يفتّشُني الحزنُ في كل ليلٍ
فماذا يفتّشُ هذا الغرابُ الغبيُّ
بهَذا الحطامِ
وقيل أُذَلُّ من الجوعِ
قسماً بدماء الجماهير
أنَّ السلاح يشقُّ الطريقَ
إذا ظلَّ تحت احتلال الشراذمِ شِبرُ
ومن هان أمرُ الترابِ عليه
قلامةَ ظفرٍ
فكلُّ التراب يهون ...
فما في الضمائر ثُمنٌ .. وخُمسٌ .. وعُشرُ ..





الآراء (0)   

نحن نمقت الإعلانات، ولا نريد إدراجها في موقعنا، ولكن إدارة هذا الموقع تتطلب وقتاً وجهداً، ولا شيء أفضل لإحياء الجهد من القهوة. إن كنت تحب استخدام هذا الموقع، فما رأيك أن تشتري لنا كاسة قهوة على حسابك من هنا :)





في الوقوف بين السماوات ورأس الإمام الحسين
( 15.7k | 5 | 3 )
قصيدة من عالم القطط
( 5.9k | 5 | 3 )
بالخمر وبالحزن فؤادي (نعم مولاي ترابُ)
( 5.6k | 5 | 4 )
ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة
( 5.4k | 5 | 1 )
يجي يوم ونردّ لأهلنه
( 5.2k | 0 | 0 )
سهرنالك دهر ما جيت
( 4.5k | 5 | 2 )
رحيل
( 4.3k | 0 | 5 )
أيها القبطان
( 3.6k | 0 | 0 )
رباعيات
( 2.6k | 5 | 0 )
يا حزن
( 2.6k | 0 | 3 )
اخذني يا بحر
( 2k | 0 | 0 )
وأنت المحال
( 1.7k | 0 | 0 )
التباس وأشياء أخرى
( 1.4k | 5 | 1 )
بنات الشام
( 1.3k | 0 | 1 )
عن السلطنة المتوكلية والدراويش ودخول الفرس
( 1.3k | 1 | 2 )
وتريات ليلية - الحركة الأولى
( 1.1k | 5 | 2 )
[جمعت مساحة بعض السجون]
( 1.1k | 0 | 1 )
براءة الأخت
( 799 | 5 | 2 )
براءة الأم
( 795 | 0 | 1 )
للريل وحمد
( 700 | 5 | 2 )
عاتب آني بحرقة
( 605 | 0 | 1 )
متوزرة بالماي
( 420 | 0 | 1 )
في الحانة القديمة
( 330 | 0 | 2 )
عروس السفائن
( 283 | 0 | 0 )
زرازير البراري (حن وآنه حن)
( 223 | 0 | 1 )
البقاع .. البقاع
( 219 | 0 | 0 )
مو حزن.. لكن حزين
( 217 | 0 | 1 )
روحي ولا تگلها: شبيچ
( 199 | 0 | 0 )
المسلخ الدولي وباب الأبجدية (تعلل فالهوى علل)
( 186 | 0 | 0 )
وانتهى عقد الإيجار
( 186 | 0 | 0 )
اعترافان في الليل والإقدام على ثالثة
( 185 | 0 | 0 )
الخوازيق
( 171 | 0 | 0 )
المساورة أمام الباب الثاني
( 154 | 0 | 1 )