مرايا وأحلام حول الزمن المكسور - أدونيس | القصيدة.كوم

شاعر وناقد ومفكر ومترجم سوري لبناني، قاد الثورة الحداثوية في النصف الثاني من القرن العشرين، مما ترك أثرا كبيرا على الشعر العربي يشبه تأثير إليوت على الشعر الإنجليزي. حائز على جائزة الإكليل الذهبي عام 1997، وجائزة العويس الثقافية دورة 2002-2003 في مجال الإنجاز الثقافي والعلمي. (1930-)


616 | 0 | 0 | 0




"الماضي"

كم حملتُ الحجَرْ
من تلال سمرقندَ، صُغْتُ الحجَرْ
حربةً،
أو قِلادَه
لعشيقاتيَ الجواري،
كم نسجتُ البشَرْ
خيمةً ،
أو وسادَهْ…
***


"الحاضر"

زَمَنٌ يجري، زمنٌ يهرب مثلَ الماءِ
وأنا أَجري...
كلُّ نهارٍ سكّينٌ في أحشائي
والليلُ حرابٌ

أشعرُ أنّ الشّمسْ
تَعْرى
ترقدُ فوق سريري مثلَ امرأةٍ،
حين يقالُ: "قطعنا رأسْ"...
***


"مرآة طاغية"

سنبلةٌ سنبلهْ
لا تتركوا سنبله
فإنّ هذا الحصادْ
فردوسُنا المستعادْ
بلادُنا المقبله

ومزّقوا القلوبَ قبل الصّدورْ
واقْتلعوا الجذورْ
وغيِّروا هذا التُرابَ الذي
أقَلّهم،
وامْحوا زماناً روى تاريخَهم
وامْحوا سماءً حَنَتْ عليهمُ…
سنبلةً سنبلهْ
كي ترجعَ الأرض إلى عهدها…
سنبلةً سنبلهْ…
***


"الرصاصة"

رصاصةٌ تدورْ
مدهونةٌ بألق الحضاره
تَثقبُ وجهَ الفجر - كلّ لحظةٍ
يُعاد هذا المشهدُ -
الحُضورْ
يُجدّدون جرْعةَ الحياة، يَنشطونَ، لا سِتاره
لا ظِلّ، لا استراحةٌ :
ألمشهدُ التّاريخُ،
والمُمثِّلُ الحضاره.
***


"مرآة السياف"

- هل قلتَ إنّكَ شاعرٌ؟
من أين جئتَ؟ أُحسّ جلدَكَ ناعماً...
سيّافُ تسمعُني؟
وهبتكَ رأسَه،
خذهُ، وهاتِ الجلْدَ واحذَرْ أنْ يُمسّ الجلدُ
أشهى لي وأغلى...
سيكونُ جلدُك لي بساطاً
سيكونُ أجملَ مخملِ،

هل قلتَ إنّكَ شاعرٌ؟
***


"الشاعران"

بين الصدى والصوت شاعرانْ
الأولُ الناطق مثلُ قمرٍ
مُكسّرٍ،
والآخر الصامت مثلُ طفلٍ
ينامُ كل ليلةٍ
بين يدي بركانْ.
***


"دمشق"

دمشقْ
قافلةُ النجوم في سجّادةٍ خضراءْ
ثديان من جمرٍ وبرتقالْ
دمشقْ
أَلجسد العاشق في سريرِه
كالقوس،
والهلالْ
يَفْتَحُ باسْم الماءْ
قارورة الأيام، كلّ يوم
يدورُ في مدارك الليليّ
يسقط في بركانك الشّهيّ
ذبيحةً…
والشّجر النائم حول غرفتي
ووجهي
تُفّاحةٌ
وحبّي
وسادةٌ، جزيره…
لو أنها تجيءْ
لو أنها تجيءْ
دمشقْ
يا ثَمر الليل ويا سريرَهْ.
***


"مرآة لملك الحريم"

تَقدّمي، من أَنْتِ يا قبيلَهْ
لا ذَهباً حملتِ، لا دِمقْساً
للملكِ العظيمْ
لا خيلَ لا لُباناً لا حجراً كريمْ
ولا أرى جديلَهْ
لِمن، لماذا هذه المسيرَهْ ؟
كوني، إذن، من خَدَم الأمير
أو مِن خدم الأميرهْ.
***


"بيروت"

1
يَسكنُ في بيروتْ
والأرض في عينيه أبجديّهْ
وخمسُ جامعاتْ
والصّخر تفّاحٌ وأغنيات.
لكنّه يموتْ -
كأنّه يسكن في جمجمه
بغير أيامٍ ولا هويّه.

2
كانت المائدهْ
غُرفاً،
يتصايَحُ فيها الضّيوفْ
كان لحمُ الخروفْ
جَبلاً، والشّرابْ
ساحراً حوله يطوفْ
وعلى الشّرْفة الذهبيّة في قبّة المائده
كانَ وجهٌ يبيدُ مع الأوجه البائدهْ -
كانَ وجهُ الكِتابْ.

3
عائشةٌ مرّت، فكلُّ ليلٍ
تَختٌ، وكلّ ناقةٍ مصباحْ
لِلجسد الضّرير أو للزّمنِ الضّريرْ
عائِشةٌ تجتاحُ - لونُ الشّهوة اجتياحْ
راقصَها الأميرُ وهو لابسٌ قبّعة الشّحاذِ
أو راقصها الشّحاذُ وهو لابسٌ قبّعةَ الأميرْ
سامرَها غنّى لها حتى ذَوَى الكلامْ
لفّ عليها زندَه وغطّى
سُرّتها، ونامْ …
***


"مرآة لزيد بن علي"

أسْتَشْرفُ المكتوبْ
في صفحةِ الخلافه
مَرسومةً كالقبر تحتَ راحتيْ هشامٍ:
رأسكَ بين النّصْل والرّصافَه
مُهاجرٌ
والجسَدُ المصلوبْ
يُنثرُ مثلَ الصّوتْ
في نَهَرٍ...
- لا، لن يحولَ سيفٌ
لا، لن يحولَ موتٌ ...
لي وَطنٌ في الماءِ - غيرُ الموتْ
يَجهلُ،
غير الصّلْب والحَريقْ
يجهلُ أن يُقرّبَ المسافَهْ
ما بيننا،
ويفتَح الطّريقْ.
واخترق النصْلُ جبينَ زيدٍ،
ونُكّستْ راياتُه...
- ارفعوهُ
غَطّوهُ، خَبّئوهُ
عن أعين الأعداءْ
هُنا، هُنا ..
لَفّوهُ بالأصواتِ بالوجوهْ،
بالعُشْب خَبَّأوهْ
في الماء، في ساقيةٍ خضراء.
وها همُ الأعداءْ
يأتونَ...
بعد لحظةٍ رأوْهُ معلّقاً
يُحْرَقُ فوقَ الماءْ
يُنْثَرُ فوقَ الماءْ -
ألجسْمُ يَصّاعَدُ في رمادٍ
مُهاجرٍ كالغيمةِ الخفيفهْ
والرأسُ وَحْيُ نارْ
عن زمن الغُيوب والثورةِ والثوّارْ
يَقرؤهُ السيّافُ للخَليفَهْ...
***


"مرآة رجل يروي"

لو أنني وُلدتُ قهرمانْ
في القَصْر،
أوْ مزيّناً لزوجة الخاقانْ
لكنتُ أقواساً على الدُروبِ
لكنتُ قوّاماً على الرؤوسْ
أصنعُ منها النُّقْلَ والندامى
والخمرَ والكؤوسْ
أصنع منها نكهةَ الشّعوبِ.
***


"مرآة لزرياب"

كلّ شيء يغنّي كزريابَ،
سيفُ الإمارَهْ
وحذاء الأميرة، والنّفط - عصرُ الأغاني
عربيٌّ،
وتعويذةُ الجحيمْ
والصّلاةُ، ومقصورةُ الحريمْ
ودَمٌ يُسْدِل السّتارَهْ.
***


"مرآة الفقير والسلطان"

( - ماذا؟ ألا تخافُ؟
- لا قصَبٌ عندي، ولا خِرافُ
ومَرّةً، غَرزتُ في مَكانٍ
أصابعي، فانْفتَحَ المكانُ
وبانَ شِقٌّ خَرَجَ الدُّخانُ
مِن فمِهِ، وجاءُ ثعبانٌ كبيرٌ أصْفَر
أخذتُهُ، فَركتُه
وعندما حدّقتُ في رمادِه، تلاشى ...
- وحَرسُ السلطانْ؟
- طارَدني، فجاءَ فرسانُه
وكنتُ في خَلوتي أنامُ، فانْتبهتُ
رأيتُ قُدّامي
نعامةً، أو ناقةً
نسيتُ، لكنني
ركبتُها،
فأخذَتْ تمشي
في السّقْفِ، والفرسانُ ينظرونْ
فَبُهِتوا، وسقطوا من خوفِهِم، وماتوا،
وبعدها، لم يجرؤ السلطانْ
على دخول بيتي...)
***


"امرأة ورجل"

( - رأيتُ أنّ فارساً
من السماءِ حاملاً
قارورةً يملؤها تراباً، قَدّمها إليَّ -
كان أحمراً يسيلُ منه دمك - انْقلَعْتُ
كالعشبة من سريري...
- اطمئنّي،
أَلحيرةُ التي ترجُ نفسي تزولُ،
إنّ ضوءاً يشعُّ - كلُّ جوعٍ
جوعي
وكل جُرْحٍ
جرحي،
وكلّ موتٍ...
حُلْمُكِ يَسْتنْفِرُ في كتابي
حروفَه والنارَ والمجامرا
حلمكِ يُغرينيَ كي أُسافِرا
في هذه الحُفْنةِ من تُرابي...)
***


"مرآة الحجاج"

(... ليس له وراءْ
يرفضُ ثَديَ أمّهِ:
كانَ اسمُهُ الحجّاجْ.
وثقبوا فأراً
وثقبوا وراءه
ودهنوا بدمه الحجاج
وذبحوا تيْساً ودَهنوا بدمه الحجاج
فالتذّ بالدّماءْ
صارت له رضاعةً وأمّاً.

واستطرد الراوي:
... وصعد المنبرَ في يديهِ
قوسٌ، وفوقَ وجهه لثامْ
وقال، بالسّهام والقناع، لا بالصّوتِ والكَلامْ:
"أنا ابنُ جلا وطلاّع الثنايا..."
... أنا هو السّؤالُ والنّبراسْ
أنا هوَ الفَرّاسْ -
ويلٌ لمن يكون من فرائسي...)

وَزُلزِلَ المكانُ
واهتزّتِ البلادُ مثلَ شجرَهْ
وسقط المسجدُ مثلَ ثمَرهْ
وسقط الزّمانُ.
***


"مرآة الرأس"

( - سايَرْتُهُ، رصدتُهُ
غلغلتُ في جفونِه
أيقظتُ كلّ شهوتي هجمتُ واحترزْتُهُ...
وجئتُ.
كانتْ زوجتي نَوارْ
تفتحُ باب الدارْ:
- أوحَشْتَني، أطلتَ، كيفَ؟
- أبْشري،
جئتكِ بالدهر، بمال الدّهرْ
- من أينَ، كيفَ، أينْ؟
- برأسهِ...
- الحسينْ؟
ويلَك، يومَ الحشرْ
ويلَك لن يجمعني طريقٌ أو حلمٌ أو نومْ
إليك، بعدَ اليومْ ..)
وهاجَرتْ نَوارْ.
***


"مرآة الشاهد"

وحينما استقرّتِ الرّماحُ في حشاشةِ الحسينْ
وازّينَتْ بجسدِ الحسينْ
وداستِ الخيولُ كلّ نقطةٍ
في جسدِ الحسينْ
واستُلبتْ وقُسِّمت ملابسُ الحسينْ،
رأيتُ كلّ حجَرٍ يحنو على الحسينْ
رأيتُ كلّ زهرةٍ تنامُ عند كتفِ الحسينْ
رأيتُ كلّ نَهْر
يسير في جنازة الحسينْ.
***


"مرآة لمسجد الحسين"

ألا ترى الأشجارَ وهْي تمشي
حدباءَ،
في سُكْرٍ وفي أناةْ
كي تشهدَ الصّلاةْ؟
ألا ترى سيفاً بغيرِ غِمدٍ
يبكي،
وسيّافاً بلا يَدينْ
يطوف حول مسجدِ الحسينْ؟
***


"مرآة الحلم"

خُذيهِ ، هذا حُلُمي
خيطيهِ والبسيهِ
غِلالةً .

أنتِ جعلتِ الأمسْ
ينامُ في يديّ
يطوفْ بي، يدورُ كالهديرْ
في عرباتِ الشمسْ
في نَورسٍ يَطيرْ
كأنّه يَطيرُ من عينيّ.
***


"مرآة التاريخ"

(.. بَقيّةُ الرّطوبَة الأولى
تجفّفَت،
وانْعصرتْ من طينها السّاعاتُ، ما تَبقّى
صارَ إلى ملوحةٍ
أو ربّما صارَ إلى مرارَهْ.)
وقال آخرونْ:
(... خلاصةُ الزّرنيخ بعد مزجها القويّ بالرّمادْ
أو عرق التُراب والحجارَهْ.)
وقيل: مثلُ حجَرٍ
يَرْشحُ منه الماءْ.
وقيل: فيه ماءْ
تأخذهُ الشّمس لها غذاءْ
تصنعُ من فُتاتِه البخارَ، أو تصبُّه كالجَمْر
في حُفرةٍ عظيمةٍ كالدّهرْ،
ثمّ يعودُ مطراً ...
وقال آخرونْ:
( ...دوّامةٌ
وهو كمَنْجَنُونْ
يغرفُ ماء نهرٍ
يصبُّ من جديدٍ
في ماء هذا النَهْرْ...)

... ووقفَ الماءُ معي زماناً،
تخلخلت مراكبي
وغابتِ المناره
وصارت الأمواج كالحجارَهْ -
هل بلغَ التّاريخُ منتهاهُ؟
هل أومأتْ شمسي إلى سواهُ؟
أبحرتُ فيه زمناً
رأيت ما رأيتُ - كلَّ جوهرٍ
رأيتُ كلّ طيبٍ،
رأيت خيزرانةً
تمتدّ مثلَ مَركبٍ
يصعدُ من أطرافهِ لهيبٌ
والشّمس والأيامْ
كالسّمك الطّافي -
وانقلَب المركبُ،
صارَ مرجلاً يفورْ...
وقال آخرون:
(... يسلكُ دربَ الشّمسْ،
فحينما تدخلُ في السّنبله
وحينما تدخلُ برج الحوتِ
أو تكونُ عند القوسْ
تشتدُّ أمواجهُ
وتكثر البلبله.)
وقال آخرون:
(... فيهِ من المَحار
ما يخافُ أو يحنُّ مثل أُمٍّ
والقصَبُ المضيءُ
فيهِ
الغامضُ الشّريدُ
واللّؤلؤُ القريبُ والبعيدُ
والعنبر المدوّر الأزرقْ...
وحينما يبلعُه الحوتُ
يطفو، وبعد برهَةٍ، يموتُ
وقبلَ أن يجرفه التيار
أو يغرق
نَشقّهُ
ونأخذ العَنْبرْ
من جوفِه
كقِطع الجبال أو أكبر...
... ومرّة،
غسلتُه بخلٍّ
أطعمتُه المغنيسيا
وعسلَ النّحْل وماءَ الزّاجْ
وجوهر الزّجاجْ...)

وقيلَ: كرسيٌّ من الزُّجاج فيه مركبٌ
ملتصِقٌ بالشّمس فيه لؤلؤٌ
أو سرطانٌ تائِهٌ كالموج،
والتاريخُ مثلُ طائرٍ منبسطٍ في جَسد الإنسانْ
يصدحُ أو يطير أو يَعيشُ
في القبور...

( - ... وَهْوَ غُولٌ
يظهرُ في الليالي،
ينامُ في الطّريق أو يحومُ
يُزيلُ كلّ باقِ
يُتيه كل سائرٍ
ويملأ العامِرَ والخرابَ...
هكذا، يقولُ بَطْليموسُ
والكوكبُ الذي يُسمى الكلبَ،
والنّجومُ - )

... أيتها السّوانحُ اكتَنزتُ -
باضَت تماثيلكِ في هوائي
أجنحةً تطيرُ في ثيابي
هواتفاً سمعتُها تغنّي
حاولت أن أراها،
لكنني عجزتُ.
***


مرآة الأرض

هذا الذي يَلجُّ في سريرتي
يقتلعُ النّخيلَ والقبابَ والأجراسْ
يضربُ وجهَ الأرضْ،
هذا الدّمُ الرّافضُ، هذا الرّفضْ
تلهّفٌ آخر، واشتعالٌ
باسْم الغد الطّالع باسْم الأرضْ -
مملكةِ التّاريخِ، والحضورِ، والأعراسْ
تلهّفٌ آخر، واشْتِعالٌ
بالزّمن الفاتح راحتيهِ
مثليَ، بالأرضِ ونورِ الأرضْ.
***


الآراء (0)   

دعمك البسيط يساعدنا على:

- إبقاء الموقع حيّاً
- إبقاء الموقع نظيفاً بلا إعلانات

يمكنك دعمنا بشراء كاسة قهوة لنا من هنا: