مرايا للممثل المستور - أدونيس | القصيدة.كوم

شاعر وناقد ومفكر ومترجم سوري لبناني، قاد الثورة الحداثوية في النصف الثاني من القرن العشرين، مما ترك أثرا كبيرا على الشعر العربي يشبه تأثير إليوت على الشعر الإنجليزي. حائز على جائزة الإكليل الذهبي عام 1997، وجائزة العويس الثقافية دورة 2002-2003 في مجال الإنجاز الثقافي والعلمي. (1930-)


669 | 0 | 0 | 0




"مرآة للنوم"

ألبَطَلُ السّاهِرُ مثلَ موجةٍ
ينامْ
وأرضنا صبيّةٌ
كانت بلا رأسٍ ولا وسادة تَنامْ
والفكرة الفرّاسَةُ الحمراءُ
كانَتْ جثّةً تنامْ
يا رَمَدَ الأعضاء يا مسالِكَ الرّطوبَهْ
في جسدي - في جسد العروبه
من أين، كيف أُوقِظُ النّيامْ؟
***


"مرآة للسؤال"

سألتُ، قِيلَ: الغُصُنُ المغطّى بالنّار، عصفورٌ.
وقيلَ: وجهي
مَوجٌ، ووجهُ العالم المَرايا
وحسرةُ البحّار، والمنارَهْ
وجئتُ ، والعالَمُ في طريقي
حِبْرٌ، وكلُّ خَلْجةٍ عباره
ولم أكن أعرف أنّ بيني وبينه جسراً من الأخوْهْ
من خُطوات النّار والنبوّهْ
ولم أكن أعرف أن وجهي
سَفينةٌ تبحرُ في شَرارهْ.
***


"مرآة لفارس الرفض"

1
حُلمٌ بثلاثةِ أقمارٍ
يتحطّم، والجدرانُ رسومٌ
تقطر حبراً،
والأشجارُ...

2
كلُّ ينابيع القرى عبّأت
جرارها،
وانكسرت فوقهُ.

3
كان وراء صخرةٍ
مُدثراً بالرّفضْ
مظلّلاً بشمس قاسيونْ
يَغوصُ، محمولاً على سحابَهْ،
إلى حنايا الأرضْ
فارسُ هذا الزّمنِ المعجونْ
بالشّمس والكآبهْ.
***


"مرآة للقرن العشرين"

تابوتٌ يلبس وجه الطّفلِ
كتابْ
يُكتَبُ في أحشاء غُرابْ
وَحشٌ يتقدّمُ، يحملُ زهرَهْ
صَخرهْ
تَتنفّس في رِئتيْ مجنونْ:
هُو ذا
هُو ذا القرنُ العشرون.
***


"مرآة للغيوم"

أجنحةُ،
لكنّها من شمعْ،
والمطرُ الهاطلُ ليس مطراً
بل سفنٌ للدمعْ.
***


"مرآة لمعاوية"

شَعرةٌ تقرأ الرياح وتبني
ملكَها في تفجّر البركانِ
في زفير الأمواجِ
والزمن الهائمِ بين الإعصار والربّانِ.
***


"مرآة لخالدة"

1- الموجة

خالِدهْ
شَجَنٌ تُورقُ الغصونْ
حولَه،
خالِده
سَفَرٌ يُغرقُ النّهارْ
في مياهِ العيونْ
موجةٌ علّمتْني
أنّ ضوء النّجومْ
أنّ وجهَ الغيومْ
وأنينَ الغُبارْ
زهرةً واحده...

2- تحت الماء

نمنا في ثوبٍ منسوجْ
من عُنّاب الليل - اللَّيلُ هَباءٌ، والأحشاءْ
تهليلُ دمٍ، إيقاعُ صنوجْ
وبريقُ شموسٍ تحت الماءْ.
واللّيلةُ حبلى...

3- الضياع

مَرّةٌ، ضعتُ في يديكِ، وكانَتْ
شفتي قلعةٌ تحنُّ إلى فتحٍ غريبٍ
وتعشَقُ التّطويقا.
وتقدّمت،
كانَ خصركِ سلطاناً،
وكانت يداك فاتحةَ الجيش،
وعيناكِ مخبأً وصديقاً
والتحَمْنا، ضعنا معاً، ودخلْنا
غابة النّار - أرسم الخُطْوةَ الأولى إليها
وتفتحينَ الطّريقا...

4- تعب

ألتعبُ القديمُ حول البيتْ
صارت له جرارٌ
وشرْفةٌ
ينام في أكواخها، يغيبُ، كم قلقنا
عليه في أسفارِه، ركضنا
نَطوفُ حول البيتْ
نسأل كلّ عشبةٍ، نُصلّي
نَلمحه، نصيح: كيفَ، ماذا، وأينَ؟ كلُّ ريحٍ
أتتْ
وكلّ غصن
أتى
وما أتيتْ...

5- الموت

بَعد هذي الثواني يجيءُ الزّمانُ الصّغيرْ
وتجيءُ الخطى والدروب المعادَهْ
بَعدَها تهرم البيوتُ
بعدها يُطفئُ السريرْ
نار أيّامِه ويموتُ
وتموتُ الوسادهْ.
***


"مرآة لوضاح اليمن"

(أصحوتَ عن أم البنين...؟)
- وضّاح اليمن

وَضّاحُ، هل صحوتَ، هل رأيتَ
حيث انتهى الماضي وما انتهيتَ،
عباءتي، ورأسيَ المسروقْ؟
فحصتُ كلّ ديرٍ
نقّبتُ كلّ بيتٍ
فتّشتُ كلّ دنّ
سألتُ قهرمانةً للجنّ...
فأمسِ، والمفتاحْ
يفتح بابَ بيتها
أُنزلت في صندوقْ
مثلكَ يا وضّاحْ
وأُنزِلَ الصّندوقْ
في البئرِ...
كانَ صوتٌ
يقولُ: "كلّ أرضٍ
بِئرٌ؟
وكلّ حبٍّ
يعيشُ - كلّ حبّ يموتُ -
في صندوقْ".

سمعتَني؟ صحوتَ؟
كبوت من جديدٍ
ونمتَ؟ كيف نمتَ؟
... والنّهر لا ينامْ
وقاسَيون حارسٌ كالدّهر لا ينامْ
والعشب لا ينامْ
والخبزُ ليس نوماً
والحبّ ليس نوماً...
***


مرآة لبيروت (1967)

1
ألشّارعُ امرأهْ
تقرأ، حين تحزنُ، الفاتحهْ
أو ترسُمُ الصّليبْ
واللّيلُ، تحتَ نهدها،
محدّبٌ غريبْ
عبّأ في كيسهِ
كِلابه الفضيّة النّائحهْ
والأنجمَ المطفأهْ

والشّارع امرأهْ
تَعضُّ كلّ عابرٍ
والجَملُ النّائمُ حول صدرها
يغنّي
للنّفط (كلّ عابرٍ يغنّي)
والشارع امرأهْ
تسقط في فراشها
الأيامُ والجرذانْ
ويسقط الإنسانْ.

2
ألوردُ مرسومٌ على الأحذيهْ
والأرض والسّماءْ
صندوقُ ألوانٍ -
وفي الأقبيه
يرتسم التّاريخ كالتّابوتْ
وفي أنين نجمةٍ أو أمةٍ تموتْ
يضطجع الرّجالُ والأطفال والنساءْ
بلا سراويلَ
ولا أغطيه…

3
جبّانَةٌ،
وصُرّةٌ في الحزامْ
من ذهبٍ،
وامرأةٌ خشخاشَةٌ تنامْ
في حضنها أميرٌ أو خنجرٌ
ينامْ.
***


"مرآة الزلاجة السوداء"

- هل قلتَ: وجهيَ مركبٌ، جسدي جزيرَهْ
والماء أعضاءٌ تحنُّ؟
- وقلتِ: صدركَ موجةٌ
ليلٌ يهرولُ تحت نهدي...
والشّمسُ محبسيَ القديمُ الشّمسُ محبَسي الجديدُ
والموتُ أغنيةٌ وعِيدُ؟
أسمعتِني؟ أنا غير هذا اللّيل، غيرُ سريره اللّزج المُضاءِ

جسدي غطاءٌ –
نَسْجٌ حبكتُ خيوطَهُ
بدمي وتهتُ، وكان في جسدي متاهي
أعطيتُ لِلورق الرّياحَ، تركتُ أهدابي ورائي
حاجَيْتُ، من غضِبٍ، إلهي
وسَكَنْتُ إنجيلَ الرّضاعَهْ
كي أكشفَ الحجر المسافر في ردائي...
أعرفتِني؟ جسدي غطائي
والموتُ أغنيتي وقصرُ دفاتري
والحِبْرُ لي قبرٌ وقاعَه
كُرةٌ تقاسَمَها اليَبابُ وشيّخَتْ فيها السماءُ
زلاجةٌ سوداءُ يسحبُها التفجُّعُ والبكاءُ.
أتبعتِني؟ جسدي سمائي

أشْرعْتُ أرْوقةَ المدى
ورسمت أهدابي ورائي
طُرقاً إلى وثَنٍ عتيقِ
أتبعتِني؟
جسدي طريقي.
***


"مرآة لجسد عاشق"

ألجَسَدُ العاشقُ، كلّ يومٍ،
يذوبُ في الهواءِ - صار عِطراً
يدورُ، يَسْتحْضِرُ كلّ عِطرٍ
يأتي إلى سريرهِ
يُغطّي
أحلامه، ينْحلُّ كالبخورْ
يعود كالبخورْ.
أشعارُه الأولى عذابُ طفلٍ
يضيعُ في دوّامةِ الجُسوْر
يجهلُ أن يظلّ في مياهها، ويَجهلُ العُبورْ.
***


"مرآة لجثة الخريف"

هل رأيتَ امرأهْ
حَمَلت جثّةَ الخريفْ؟
مزجت وجهَها بالرّصيفْ
نَسَجَتْ من خيوطِ المطَرْ
ثوبَها
والبَشرْ
في رماد الرّصيفْ
جمرةٌ مُطفأهْ.
***


"مرآة لأبي العلاء"

أَذكرُ أنّي زرتُ في المعرّه
عينيكَ، أصغيتُ إلى خُطاكْ
أذكرُ أنّ القبر كان يمشي مقلِّداً خُطاكْ
وكان حول القبرْ
صوتُكَ، مثلَ رجةٍ، ينامْ
في جسد الأيام أو في جسدِ الكلامْ
على سرير الشِّعرْ

ولم يكن هناك والداكْ
ولم تَكْ المعرّهْ...
***


"مرآة للعين والزمن"

غنّيتُ، قلتُ لأيامي: رفعتُ دمي
مدائناً تلدُ الإيقاعَ قلتُ لها
مددتهُ غُصُناً يشتاق، يحملني
في نُسغِهِ، ويضيءُ الموتَ والكفنا
غنّيتُ، قلتُ لأيامي: أَبَحْتُ دمي
(وربَّ جوهر علمٍ لو أبحتُ به
لقيلَ لي: أنت ممن يعبدُ الوثنا)
غنّيتُ، قلت... فصلتُ الحُلْمَ عن هُدُبٍ
يخيطهُ، ومزجتُ العينَ والزمنا.
***


"مرآة لأورفيوس"

قيثارُك الحزينُ، أُورفيوسْ
يعجَز أن يغيّر الخميرَهْ
يجهلُ أن يصنعَ للحبيبة الأسيرهْ
في قفَص الموتى سريرَ حبٍّ يحنُّ أو زنديْن أو ضفيرهْ
يموتُ من يموتُ، أورفيوسْ

والزّمن الرّاكِضُ في عينيكْ
يكبو، وفي يديكْ
ينكسرُ القِيثارْ.

ألمحك الآن على الضفافْ
رأساً، وكل زهرةٍ غِناءٌ
والماءُ مثل صوتٍ،
أسمعك الآن أراكَ ظلاً
يفرُّ من مدارهِ،
ويبدأ الطّوافْ…
***


"مرآة الطواف"

بَعْد نار الطّوافِ، بعد رحيق الجرح والحلْمِ،
في سرير القطافِ،
سطعت شَهوةُ العلوّ، تسلّقْتُ حنيني ونارَهُ، ورحلنا
عن بلادٍ نَزّازَةٍ طحلبيّهْ
في بساط الخليقةِ الشّفّافِ.

وأنا اليوم، نكهةٌ كوكبيهْ
أتمرأى، وأصهر الدّهْرَ مرآةَ انْخطافٍ لوجهيَ العرّافِ
لِلنّهار المسنون كالقلب، للفتح،
لِسحْرِ الأبعاد والأطرافِ.
***
***






الآراء (0)   


الموقع مهدد بالإغلاق نظراً لعجز الدعم المادي عن تغطية تكاليف الموقع.

يمكنك دعمنا ولو بمبلغ بسيط لإبقاء الموقع حياً.