الدمعة الأخيرة لأبي العلاء - محمد الساق | القصيدة.كوم

شاعر مغربي صدرت له: أنشودة الليل الأخير وألقِ عصاك يا غيب. (1993-)


891 | 5 | 0 | 5



"على لسان أبي العلاء المعري وهو في ٱخر لحظات حياته"

(من يصرخْ عند الولادةِ؛ يفهمِ السببَ عند الموت..)
مثل بلغاري

وأنَا أُجالِسُ وحدَتِي
أُحصِي الهزائِمَ كلَّها
في رحلةِ العُمْر الطّويلِ..
سأستعيدُ الآنَ وجهَ الأمسِ، مُذْ
أبصَرْتُهُ -وأنا صبيٌّ- أحمَراً(1)..
متنبئاً بعذابِ أيّامِي الذي
سيصيبُ
روحِي سهمُهُ قبْل الجسَدْ..

لن أخفيَ الجرحَ
القديمَ وراءَ هذَا الصمتِ في لغتي..
سأكتبُ دمعتِي، وأنا حزينٌ مذْ عزفتُ عنِ الحياةِ
ولم أذُقْ من غيْمَةِ الدّنيا سِوَى
مطرِ الشّقاءِ.. وكنتُ مكتوباً
-برغم الموتِ- فيِ صُحُفِ الأبَدْ..

مُذْ خُطوَتِي الأُولى، تفَجّرَ
في دمي قلقُ السؤَال..
وكان أفْقِي –رغم هذا الليلِ في عيْنَيَّ-
نُوراً، سِرتُ أحْمِلُ في مداهُ مطامِحاً
قدْرَ النّجُومِ بلا عدَدْ..

مذْ أيقظَتْ فِيَّ الحياةُ
براءةَ الأطفالِ وابتدأ الرهانْ..
وأشعلَتْ نارَ الشكوكِ قصَائِداً
تتَنَفّسُ الآلامَ فِي رئَةِ الزّمانْ..
لمْ يَنْطَفِئْ
جُرحِي الذي بايعتُهُ
ملِكاً على أيّامِيَ الحُبْلى بأدمُعِ خيْبَتي..
وامتدّ فِي ليلِ العَمَى جُرْحانْ..

سفَرِي رُؤَايَ..
وحِكْمَتِي لغَةٌ تسَامَى وجهُهَا حتّى
أصابَ ملامِحَ الغيبِ الدّفِينْ..
لمْ لا أكونُ كأيِّ نفسٍ فوقَ هذِي الأرضِ؟ أعبُدُ شهْوَتِي..
أحْيَا عدِيمَ الشّكّ
ممتَلِئاً بآيَاتِ اليقِينْ..

ظِلُّ احْتِضَارِي كانَ
يكبُرُ تحتَ شمسِ العُمْرِ،
مثلَ الغيمِ تدهَمُهُ رياحُ التّيهِ
في أفْقِ الظّنُونْ..
أمْحُو، وأكتبُ دمْعتِي
في أعْيُنِ الإيقاعِ حرفاً سوفَ
يُبصرُ فيهِ كلُّ معذّبٍ بعْدِي
ملامِحَهُ سراباً مِنْ حنينْ..
ومعَرَّتِي عِشقٌ
يسافرُ في دمي مثلَ النّجُوم
مُقدساً منذُ الأزلْ..
وأنا اختصارُ الحُزْن
في دنيا المواجعِ لمْ أزلْ..

وأنَا الذي
لمْ تَسْتَعِدْ
فيهِ النّبوةُ شمْسَهَا بعدَ انتشَارِ الليلِ
في زمَنِ الضّلالْ..
وأنَا الذي أنفَقتُ عُمْراً
فِي تَرَقُّبِ مَوعدٍ حَيٍّ معِي
لمْ يَأْتِ!
كُنتُ أرَاهُ دَوماً كُلّمَا اقتربَ ابْتَعَدْ...

مازلتُ حتّى الآنَ أشْربُ حيْرتِي قَلِقاً..
وأسأَلُ: مَنْ أنَا؟
ماذَا جنَيتُ منَ الحيَاةِ، وما جَنَتْ مِنّي
ليَالِيهَا الطِّوَالْ؟..
ماذا تبَقَّى بعدُ منْ رُوحِي لتَأْخُذَهُ
سِوَى تَعَبِي..
ودمعٍ فِي رُفوفِ الحُزْنِ تكْتُبُهُ
عيونُ الأمْسِ مِنْ جرحٍ خَفِيّ لا يُقَالْ..
من سوفَ يبْكِينِي غداً بعْدَ الرّحِيلْ؟
ومنْ سيَذْكُرُ غُرْبَتِي
أبَداً؟
سِوَى كُتُبٍ تهَجّيْتُ الحياةَ بِهَا.. تعبْتُ..
طرقْتُ بابَ المُستحِيل..
وهلْ سَيشْرقُ في القصيدةِ
من سيكسِرُ خَيْبَتي
ويعيدُ للنّفْسِ الشّريدَةِ ضَوءَهَا
المكْبُوتَ فِي ليلِ الألَمْ..؟



هيّا اقْتَرِبْ
واكْسِرْ بفأسكَ قيْدَ رُوحِي ضُمَّهَا..
واصْعَدْ بها حيثُ الحقِيقَةُ جنَّةٌ
فلَعَلَّ وجْهَكَ وهْوَ يُشْرِقُ فِي دَمِي
يمْحُو اغْتِراباً
سطَّرَتْهُ يَدُ الحَياةِ هَزَائِماً
لمّا سُرقْتُ مِنَ العَدَمْ..

هيّا اقْتَرِبْ،
واخْتِمْ حيَاتِي أيُّهَا المَوتُ الجمِيلْ..
لا خوفَ بعدَ اليَومِ
منْ شبَحٍ يسيرُ علَى حُرُوفِي
سَائِلاً عَنْ حِكْمَة الميلادِ..
عنْ موتٍ يحيلُ حقِيقَتِي عَدماً،
ويمنَحُنِي السّلامِ إلى الأبَدْ..

لا سرَّ يمْلأُنِي يقيناً
بعدمَا أمْعَنْتُ فِي شَكِّي سِوى صَوْتٍ،
يُرَدَّدُ فِي دمِي نَاراً،
ويكتُبُ فِي عُيُونِ العُمْرِ آخِرَ دمْعَةٍ:

(هذا جناهُ أبِي علَيّ، ومَا جنَيْتُ علَى أحَدْ.)



الآراء (0)   

دعمك البسيط يساعدنا على:

- إبقاء الموقع حيّاً
- إبقاء الموقع نظيفاً بلا إعلانات

يمكنك دعمنا بشراء كاسة قهوة لنا من هنا: