أبي - سيلفيا بلاث | اﻟﻘﺼﻴﺪﺓ.ﻛﻮﻡ

شاعرة أمريكية حاصلة على جائزة البوليتزر للشعر بعد وفاتها عام 1982، انتحرت بعمر الثلاثين باستنشاق الغاز داخل الفرن حتى الموت (1932-1963)


3107 | 0 |




لم تُنجز، لم تُنجز
المزيدَ، حِذاءٌ أسودُ
عِشتُ فيه كالقَدَمِ
ثلاثينَ عاماً، زاهِدةً بيضاءَ،
لا أجرؤ أن أتنفّسَ أو أعطَسَ.
*

كانَ عليّ أن أقتُلكَ، يا أبي.
مِتَّ قبلَما يتَوفَّرُ لي الوقتُ...
كِيسٌ، ثقيلٌ رخاميٌّ، مِلؤهُ الله،
تِمثالٌ شَبَحيٌّ بإصبَعِ قَدَمٍ رماديةٍ
ضَخمةٍ كفَقمةِ فِريسكو.
*

ورأسٌ في الأطلَسِيّ العَجيبِ
يصُبُّ أخضرَ زَرعِياً على أزرقَ
في المياهِ خارجَ نوسِيتَ البديعةِ.
واعتدتُ أن أُصلِّي، لأستعيدكَ.
وأنا أَئِنُّ.
*

باللّسانِ الألمانيّ، في البلدةِ البولنديّةِ
قد حَكَّكَتْكَ مِدْحَاةٌ
من الحُروبِ، الحُروبِ، الحُروبِ.
إلا أن اسمَ البلدةِ شائعٌ.
يقولُ صديقي البولنديّ
*

ثمّةَ اثنتا عَشرةَ أو اثنتانِ.
فليسَ لي أن أحكي عن أَصلِكَ
مِن أينَ قَدِمتَ، وما جُذوركَ،
ليسَ لي أن أُكلِّمَكَ من بَعدُ.
التَصَقَ لِساني بِحَلْقي.
*

التَصَقَ بفَخٍّ سِلْكِيٍّ مُسَنَّن.
فأُتأتِئ، آي، آي، آي.
وكلامي بشِقّ الأَنفُسِ.
ظننتُ أنكَ كَكلّ ألمانيٍّ.
واللغةُ فاحِشَةٌ
*

قاطِرةٌ، قاطِرةٌ
تُهَجِّرني كيهوديٍّ،
يهوديٍّ إلى داخاو، أوشفيتز، بيلسن.
بدأتُ أتكلّمُ كاليهوديّ.
أظنُّ أني يهوديةٌ.
*

ثلوجُ تِيرولَ، بيرةُ فيينا الرائقةُ
لا هي صافيةٌ ولا حقيقيةٌ.
مع سَلَفي الغَجَرِيّة وحظّي العَجيبِ
وأوراقِ لَعِبي، أوراقِ لَعِبي
مُحتَملٌ أني يهوديةٌ.
*

كنتُ أَرتاعُ دائماً منكَ،
بقُوّتِكَ الجَويّةِ، ولَفظِكَ الجَهْمِ،
وشاربِكَ المَحفوفِ، وعينِكَ الآريّةِ، زرقاءَ برّاقةٍ.
جُنديَّ الدبّابةِ، جُنديَّ الدبّابةِ، يا لِيَ منكَ...
*

لستَ ربّاً بل صليبٌ مَعقوفٌ
فاحِمُ السّوادِ، لا سماءَ تَعْوِي منها.
كلُّ امرأةٍ تَعبدُ فاشِيّاً،
الحِذاءُ في الوَجهِ، غاشِمٌ
قلبُكَ الغاشِمُ في غاشِمٍ مِثلكَ.
*

تقفُ إلى السُبّورةِ، يا أبي،
في الصورةِ التي لكَ عندي،
قَطْعٌ في ذَقنِكَ عِوضاً عن قَدَمِكَ
ولستَ أقلّ من شَيطانٍ، لا لَم
تكن أقلّ من ذلكَ الأسودِ الذي
*

شَقّ قلبي الأحمرَ المَلِيحَ نِصفَين.
دَفَنوكَ، وكنتُ في العاشرةِ.
جَرَّبتُ في العِشرينِ أن أموتَ
ثم عدتُ، عدتُ، إليكَ عدتُ.
أظنُّ تفعلُها العِظامُ.
*

ثُم شَدّوني من الكِيسِ،
مِن ثَمّ لَحَموني بالصَّمغِ.
وهكذا عَرِفتُ ما أُريدُ.
فاتّخَذتُ مِنكَ مِثالاً،
يا ذا الزِيّ الأسودِ بنظرةِ //كِفاحي//
*

وعِشقي للمِسمارِ والخَلاَّعةِ.
قلتُ أُنجِزُ، إني سأُنجِزُ.
وأخيراً، يا أبي، وَصَلتُ.
الهاتفُ المُسْوَدُّ مَخلوعٌ مِن مَنْبِتهِ،
وليسَ للأصواتِ أن تلتاعَ فيهِ.
*

إن قتلتُ رَجُلاً، فقد أقتل اثنَين...
الخَفَّاشُ الذي قالَ إنكَ هُو
وظَلّ يمُصّ دَمي عاماً،
وسبعةَ أعوامٍ، إن أردتَ أن تعرفَ.
فاضْجَع بظَهركَ، يا أبي، الآنَ.
*

ثَمةَ وَتَدٌ في قلبِكَ الأسودِ الشَحِيمِ
ما لم يُعجِب أهلَ القَريةِ فِيكَ.
فكانوا يرقصونَ وهُم يدبّون عليكَ.
على وَعيٍ دائماً أنكَ هُو.
أبي، وَصلتُ، يا أبي، يا ابنَ الزِّنا.







(ﺟﻤﻴﻊ ﺗﺮﺟﻤﺎﺕ محمد عيد إبراهيم)
اﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ (0)   

لم تعُـدْ، لم تعدْ بعد اليوم
ذاك الحذاء الأسودَ الذي حُشِرتُ فيه ثلاثين عاماً
مثل قدمٍ بيضاء بائسة
بالكاد أجرؤ أنْ أتنفّس أو أعطُس.
.

أبي، كان يجبُ أنْ أقتلكَ
لكنكَ مُتَّ من قبل أنْ أولد،
كنتَ ثقيلاً كالرُخام
كحقيبةٍ مملوءةٍ بالله
تمثالاً هائلاً بإصبع قدمٍ رماديةٍ واحدة
ضخماً مثل فقمة "فريسكو"
لكَ رأسٌ في المحيط الأطلسيّ المتقـلِّب
حيث ينسكبُ أخضرُ الماء فوق أزرقه
عند شاطئ "نوست" الرائع.
.

كم صلّيتُ لعلّني أستردُّك
- آهٍ منك -
بلُغةٍ ألمانية في بلدةٍ بولندية
سوّتْها بالأرض جرّافاتُ الحروب، الحروب، الحروب...
لكنّ اسمَ البلدة شائع
أخبرني صديقٌ بولنديّ أنْ ثمة عشر أو عشرين بلدةً بهذا الاسم
ولهذا لم أعرفْ يوماً موطئَ قدمك
ومن أين جذورك
ولم أستطع الكلامَ إليك
فقد التصقَ لساني بسقفِ حلْقي
عـلِـقَ بشبكةِ أسلاكٍ شائكة
آخ.. آخ.. آخ..
أتكلّم بشقّ الأنفس
لطالما حسبتُ أنّ كلّ ألمانيّ هو أنت
وأنّ اللغة عاهرةٌ للجميع.
.

عربةُ قطارٍ عابر
لفظتْني خارجَها مثل أيّ يهودية
ورمتْني في "داخاو" أو "شفيتز" أو "بيلسن" [1]
رحتُ أتحدّث مثل يهودية
ربما أنا حقاً يهودية.
.

ثلوج "تيرول" والبيرة الرائقة في "فيينا"
لم تكنْ صافيةً أو رائقةً في نظري
حينما فرَدَتْ جدّتي الغجريةُ أوراقَ اللعبِ أمامي
وتنبّأتْ لي بحظّي العاثر
أعتقد أني يهودية قليلاً.
.

كنتُ دوماً أخافُ منك
من بذلة الطيّار العسكرية
من لغتكَ المبهمة وشاربيكَ المصقولين
من عينيكَ الآريتين الزرقاوين البرّاقتين
قائدُ دبابة أنت.
لستَ إلهاً، بل صليبٌ معقوف
فاحمُ السواد
ولا سماءَ لتصرخ من خلالها.
كلُّ امرأة تعشقُ فـاشـيّـاً
والجزمةَ التي تدوسُ على وجهها،
تعشقُ الوحشية
القلبَ المتوحّش لوحشٍ مثلك.
.

أراكَ واقفاً أمام السبّورة، أبي،
في الصورة التي بقيتْ لك.
ثمة شقٌّ في ذقنك بدلاً من قدمك
لستَ أقلَّ من شيطان
لستَ سوى الرجل الأسود
الذي فطَر قلبي الرقيق إلى نصفين.
.

كنتُ في العاشرة عندما دفنوك
وفي العشرين حاولتُ الانتحار
لكي أعود - أخيراً - إليك
أحسَسْتُ أنّ عظامي تحنُّ إلى عظامك
لكنهم سحبوني من الكفن
وألصقوا عظامي إلى بعضها بعضاً.
.

بعدها عرفتُ ما ينبغي فعلُه
صنعتُ تمثالاً يشبهُـك
رجلاً بالأسود، له نظرةُ "كفاحي". [2]
يهوى التعذيب وتقطيعَ الأوصال
وهكذا - وأخيراً - وجدتُـك.
الهاتف منزوعٌ من السلك
ولا تقدر الأصواتُ على الزحف من خلاله.
.

الآن إذا قتلتُك، فإني سأقتلُ اثنين
أنتَ، ومصّاصَ الدماء الذي قالَ إنه أنت
وامتصّ دمي لمدة سنة
بل لسبع سنوات، [3]
هل تريد أن تعرف هذا يا أبي، لترقد بسلام؟
.

ثمة وتدٌ في قلبكَ الأسود البدين
وسكّانُ القرية لم يطيقوكَ يوماً
ها هم يرقصون على قبرك ويدوسون عليك
لقد عرفوا دوماً مَنْ تكون.
.

أبي، أبي، أيها الوغد
إني قادمةٌ إليك. [4]

=======================
.

[1] معسكرات اعتقال وإبادة نازية أثناء الحرب العالمية الثانية.
[2] كتاب هتلر الشهير.
[3] فترة زواجها من الشاعر البريطاني تيد هيوز.
[4] انتحرتْ بلاث بعد أربعة أشهر من كتابة هذه القصيدة.



(ﺟﻤﻴﻊ ﺗﺮﺟﻤﺎﺕ عبد الكريم بدرخان)
اﻟﺘﻌﻠﻴﻘﺎﺕ( 0)   


Daddy


You do not do, you do not do
Any more, black shoe
In which I have lived like a foot
For thirty years, poor and white,
Barely daring to breathe or Achoo.

Daddy, I have had to kill you.
You died before I had time—
Marble—heavy, a bag full of God,
Ghastly statue with one gray toe
Big as a Frisco seal

And a head in the freakish Atlantic
Where it pours bean green over blue
In the waters off beautiful Nauset.
I used to pray to recover you.
Ach, du.

In the German tongue, in the Polish town
Scraped flat by the roller
Of wars, wars, wars.
But the name of the town is common.
My Polack friend

Says there are a dozen or two.
So I never could tell where you
Put your foot, your root,
I never could talk to you.
The tongue stuck in my jaw.

It stuck in a barb wire snare.
Ich, ich, ich, ich,
I could hardly speak.
I thought every German was you.
And the language obscene

An engine, an engine
Chuffing me off like a Jew.
A Jew to Dachau, Auschwitz, Belsen.
I began to talk like a Jew.
I think I may well be a Jew.

The snows of the Tyrol, the clear beer of Vienna
Are not very pure or true.
With my gipsy ancestress and my weird luck
And my Taroc pack and my Taroc pack
I may be a bit of a Jew.

I have always been scared of you,
With your Luftwaffe, your gobbledygoo.
And your neat mustache
And your Aryan eye, bright blue.
Panzer—man, panzer—man, O You—

Not God but a swastika
So black no sky could squeak through.
Every woman adores a Fascist,
The boot in the face, the brute
Brute heart of a brute like you.

You stand at the blackboard, daddy,
In the picture I have of you,
A cleft in your chin instead of your foot
But no less a devil for that, no not
Any less the black man who

Bit my pretty red heart in two.
I was ten when they buried you.
At twenty I tried to die
And get back, back, back to you.
I thought even the bones would do.

But they pulled me out of the sack,
And they stuck me together with glue.
And then I knew what to do.
I made a model of you,
A man in black with a Meinkampf look

And a love of the rack and the screw.
And I said I do, I do.
So daddy, I’m finally through.
The black telephone’s off at the root,
The voices just can’t worm through.

If I’ve killed one man, I’ve killed two—
The vampire who said he was you
And drank my blood for a year,
Seven years, if you want to know.
Daddy, you can lie back now.

There’s a stake in your fat black heart
And the villagers never liked you.
They are dancing and stamping on you.
They always knew it was you.
Daddy, daddy, you bastard, I’m through.




دعمك البسيط يساعدنا على:

- إبقاء الموقع حيّاً
- إبقاء الموقع نظيفاً بلا إعلانات

يمكنك دعمنا بشراء كاسة قهوة لنا من هنا: