نشر الجينات الشعرية - حسان الجودي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2021


77



نشر الجينات الشعرية



أليس الخلود هو هدف كل كائن حي؟ بدءاً من الفايروسات إلى الحوت الأزرق أضخم جرم في الكرة الأرضية. ومروراً بالنباتات والأشجار وجميع الممالك الطبيعية الأخرى.

أليس نشر الجينات هو هاجس هذه الكائنات الحية؟

تفعل ذلك هذه الكائنات مثل الإنسان والحيوان عن طريق التزاوج لإنجاب المزيد من الصغار التي تحقق مفهوم الخلود عن طريق استمرار النوع. تقدم نظرية التطور بعض الشروحات المهمة حول نجاح الحيوانات الذكور في استقطاب الأنثى. وتقدم أيضاً بعض الأفكار المثيرة المتعلقة بالنباتات. فكيف يمكن مثلاً لنبات مثل الكركم أن يقدم هذه الفوائد العلاجية المذهلة للإنسان؟ ولماذا توجد الآلاف من النباتات التي تقدم مثل هذه الفوائد الصحية؟

لماذا ثمار الأشجار حلوة تغري بالتذوق؟ ولماذا الطماطم لذيذة الطعم؟ ولماذا هناك بعض النباتات التي تسبب النشوة والمتعة بشكل يفوق التصور؟

إن نبات الكركم هو من فصيلة كاسيات البذور وهي التي تقدم تقريباً 70% من الغذاء الذي يتم إنتاجه. تعود العلاقة بين الإنسان وبين هذه الفصيلة إلى العصر الطباشيري منذ قرابة 150 مليون سنة. حينها بدأ أسلافنا بالتعاون مع هذه الفصيلة. فهي تقدم لهم المغذيات الضرورية وهم يقدمون لها نشر الجينات عن طريق التهامها وإخراج بذورها ونشرها وزراعتها لتنمو من جديد محافظة على النوع الجيني. ويبدو هذا كأنه تطور مشترك أو علاقة حب مشفرة في الحمض النووي. يصح وصفها بعلاقة المنفعة الذكية. تعطي النباتات المركبات المضادة للأمراض والطعم الجيد والاكتفاء الغذائي، ونحن نقوم بمساعدتها على الخلود ونشر بذورها في كل مكان.

ألا يمكن الآن بنفس الطريقة نقل هذا النقاش إلى أفق آخر يتعلق بالشاعر الذي هو بالتأكيد يبحث عن الخلود المعنوي لروحه والخلود المادي لمنتجه الأدبي؟

كيف تتجلى علاقة المنفعة المتبادلة بين الشعراء وبين بيئتهم إذا؟

يمكن العودة إلى البدايات أيضاً. حيث بدأ شاعر القبيلة بالإنشاد، فاستمتع الجميع بإنشاده، وأبدوا له مظاهر الاحترام والتقديس، مما دفعه إلى تحسين منتجه الشعري ليحصل على مزيد من نشر جيناته الشعرية. ثم تطور الامر لاحقاً، لتصبح هذه العلاقة أشد وضوحاً مع ظهور الفكر النقدي، وبات الشاعر حريصاً على تطوير أدواته ليستطيع الحصول على التقدير المناسب من النقاد، وليستطيع طباعة مؤلفاته فيضمن بذلك الخلودين.

لقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعي هذه العلاقة الفريدة بين الشاعر والمتلقي إلى صيغتها الأولية. وبات المتلقي قادراً على إظهار رأيه المباشر فيما يقرأ. وهذا سبب كاف لسعي الشاعر إلى بذل المزيد من الجهود ليحظى بمزيد من نشر جيناته.

غير أن هذه العلاقة الجميلة لا تبدو بهذه الصورة. هناك خلل كبير في تلك العلاقة، وبات المتلقي محكوماً بقانون القطيع الذي يجب عليه الانتماء له ليستطيع أيضاً نشر جيناته. وباتت جدلية النقاش والحوار بين الشاعر والمتلقي في حدها الأدنى، لأن نظام الإعجابات (المكافأة السريعة) خرَّب عملية التذوق الحقيقية. وبات الشاعر سعيداً بإعجابات متداولة بسرعة البرق.

لقد تحولت انفعالات التواصل الإنساني إلى إعجابات في الفضاء الرقمي. وتحولت في الفضاء الواقعي إلى سوق مبيعات للمنتج الادبي. لكن الجميل هو أن ذلك هو تأكيد لعملية نشر الجينات، وتأكيد لعملية تحسينها، لتشجيع المستضيف (القارئ) على قبولها .

غير أنه من جهة أخرى، تفسد هذا الجمال النزعة الاستهلاكية المعاصرة التي تحتفي بكل شيء لاعتبارات تجارية غير متعلقة بجودة المنتج ذاته.




الآراء (0)