حضور غياب محمود درويش - حسان الجودي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2016


161



حضور غياب محمود درويش


في المجموعة الشِّعرية (في حضرة الغياب)، وفي قصيدة (الآن في المنفى). لم يجرؤْ (محمود درويش) على مخاطبة الغياب وجهاً لوجه. اختار وساطةً شعريةً مُفْترضةً وطلب منها إبلاغ الغياب: (قلْ للغياب نَقَصتني- وأنا حضرتُ لأُكملَكْ!).

ليس هناك من ضرورةٍ وزنيةٍ أو ضرورةٍ لغويةٍ ليتجنبَّ (درويش) مواجهةَ الغياب بضمير المخاطب المباشرِ، الأشدّ تأثيراً والأبلغ في إحداث الأثلام في الروح. ليس من تفسيرٍ سوى أن الغياب هو نقيضٌ للحضور، وصاحبُ الجلالة في إصدار الأحكام القاطعة بشأن الوجود الإنساني والمعنى الذي يحمله. ليس من سببٍ ليفعل (درويش) ذلك، سوى الخوف من مواجهة العدم!

هو يؤكد غير ذلك في جملته الشِّعرية، ويقرر بكثيرٍ من البلاغة الجميلة ذات الفروسية، أنّه الأقوى والأجمل من أحجار شطرنج الغياب. وأنّه ربما يكون قطعة الشَّطرنج السّحرية التي ستكمل الرقعةَ الناقصة، لكن بالمقابل ستستطيع هزيمة الزمن اللاعب الأمهر.

لم يجرؤْ (درويش) على استعطاف الغياب، لم يُحسنْ إسبالَ عينيه، وتمتمةَ الصلوات الخفيضة، ولم يجرؤْ على استمالته وتقديم الأزهار والحلوى له.

كان (درويش) الشَّاعر على ثقةٍ مطلقة بالمعجزات التي يحققها الشِّعر، فهو سيضيف المعنى الناقص إلى الغياب، لكنه بالمقابل كان على ثقة مطلقة بهشاشة الجسد الإنساني، جسد الشَّاعر الذي سيتحطم بسبب طرقات خفيفة من مطرقة الغياب. الشَّاعر في عزلته يواجه الغياب. ولكنه يختار ضميرَ المخاطب الوهمي ويمرر الرسالة من نفسه إلى نفسه، الرسالة التي تظهر الشَّجاعة النادرة لكنها تشي أيضاً بالهلع الإنساني حين يواجه أسئلة الغياب.

تتجلّى جدلية الغياب والحضور، والثنائية الضدية المتشكلة منهما، في النص الشعري عموماً، وفق قراءاتٍ متنوعة. فهي حضور الشِّعر وغياب المؤلف الشَّاعر، فالنص هو الحضور المكتمل، الذي يقود إلى غياب المؤلف، الذي لم تعد له سلطة تهيمن على معاني النص ودلالاته (رولان بارت). وهي أيضاً علاقة الدال والمدلول. يعبر الدال عن الحضور المادي، ويعبر المدلول عن الغياب المادي رغم حضوره المعنوي في النص. وهي أيضاً علاقة الشَّكل بالمضمون كما أشار (تودروف) حين أسقط الحضور والغياب على المعنى والمبنى في الشعر، فعلاقات الغياب علاقات المعنى والترميز، وعلاقات الحضور هي العلاقات الشكلية أو البناء. كما أن الغياب وفق هذه الجدلية يمكن أن يشير إلى غياب بعض العناصر من النص الشعري ولكنها تكون حاضرة في الذاكرة الجماعية للقرّاء على شكل أنماط أولية غالباً ما تظهر في الأدب الإنساني كالأساطير بصورها الغنية المتنوعة.

أما المفهوم الصوفي لثنائية الحضور والغياب، فهو أكثرها اقتراباً من الروح وشغفها بالمطلق، وهو الأكثر نجوماً وشهباً. فالحضور المجسّد على هيأة موقفٍ، هو أقصى الغايات التي يروم فيها الشَّاعر الإمساك بالغياب، وهو متحققٌ بواسطة انعتاق الروح من عقال ما يكبّلها، وإدراك ما لم يدرك مسبقاً من الأسرار وصولاً إلى عين اليقين. وهذه إشارة محيي الدين ابن عربي في بيته الشعري المستند إلى سقف الكون: (وغبْ عن الكون بالأسماء متصفاً - حتى تغيبَ عن الأوصاف بالذاتِ).

لقد ظلَّ البيت الشِّعري العربي طوال قرونٍ عديدة، مكاناً مثالياً لاختباء الغياب. وقد أثثه الشُّاعر القديم، كما يؤثث بيته بالفعل، فهو أسبابٌ وأوتاد وصدرٌ وعجزٌ ومصاريعُ. وهو أيضاً حافلٌ بالمنمنمات والزخرفات الجمالية وغيرها من بلاغات ومحسّنات بديعية. استقر الشاعر إلى هذا البيت الوثير (قصيدة العمود)، ووجد فيه حصناً آمناً منيعاً يساعده على استقرار الروح التي كانت تلوب في الصحراء، وحين بدأت كائنات الغياب الأسطورية الجميلة بإخراج الرؤوس من نوافذ هذا البيت، قام الشاعر بتوسعته كما فعل في الموشحات مثلاً، حين صار البيت الشعري شاملاً لعدة أسطر تشمل دورا واحداً. بعد ذلك حين بدأ الشِّعر يتحرر من كل غائيّة مسبقة ويصبح أكثر بهاءً وتأثيراً وقدرةً على إثارة الأسئلة المعرفية والإشارات الجمالية المرتبطة بها، وحين بدأت أسئلة الفكر الإنساني تطرق تلك الأبواب الموصدة، خرج الشّاعر وهو يحمل عوالمه الجديدة، إلى حضورٍ مناسب آخر، تجلّى في شكلٍ شعري آخر، هو شكل قصيدة التفعيلة. والتي صار فيها البيت الشِّعري واسعاً ورحباً، يمتد على مساحةٍ خضراء واسعةٍ تتحدد نهايتها بنهاية الدفقة الشعرية، ويحدث ذلك حين يعلن الشاعر عن وقفته أو عن قافيته وقد يكون ذلك في كل سطر وقد يستغرق عدة أسطر. أما قصيدة النثر فقد غيّبتْ كلَّ تلك الحضورات (الأبيات الشعرية)، وانطلقت تركض حافيةً في أقاليم الغياب فظهر لنا ارتجاف ساقيها البيّن واختلفنا حول تأويله !

يحاول الشُّعراء اصطياد طرائد الغياب المجهولة وهي تعدو خلف الزمن، ويريشون سهامهم بالحضور. منهم من يخفق، ومنهم من ينجح. لكنّ لذة الكتابة الفائقة، تدفعهم إلى تزجية سنوات حياتهم في تلك الرحلة المضنية.

ونحن نبخع النفس على آثارهم، ونلتقط فتات النجوم من جعباتهم، ونشرب السّلاف من كؤوسهم، ونصنع التمائم من أشعارهم. وبعدها نهيل التراب على حضورهم، وكشّاف ضوءٍ باهرٍ يكتبُ على جدران الكون: (هكذا يُكتب النشورُ، إذا أعلن قبرٌ: قضى من الشُّعراءِ)




الآراء (0)