شفاهية صادقة حدّ الإعياء - أن يعلمنا النواب جسارة الكلمة - فدوى العبود | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2022


704



شفاهية صادقة حدّ الإعياء - أن يعلمنا النواب جسارة الكلمة


"كم سيتعلم الفلاسفة لو وافقوا على قراءة الشعراء"
- غاستون باشلار


إذا كان التدوين كما يراه البعض "حبساً مؤبّداً للكلمات في حقلِ المرئيّ" فإن التّماس مع تجربة الشاعر مظفر النواب مغامرة كبرى؛ فقصيدته الصادقة حدّ الأعياء تثير في الجيل اللاّحق –جيلنا- سحرَ وتوتر زمنٍ غامض؛ كانت الكلمة فيه كما أراد لها هوميروس "مجنّحة"، تجمع بين التلاشي والقوّة والحرية.

زمنٌ كان حضور شاعر فيه حدثا فريداً أشبه بطقس دينيّ، لم يكن سرّه في شفاهيته فحسب بل في قصائده التي تجري بقوة ذاتية في منابع متعددة، وتنتهي بين عشاقه كشذرات تنطوي في صميمها على توق للاتحاد في الكل وحرية المفرد في آن.

تجلّت صوفيته في حضوره الجسدي، في صوته، حركات يديه، نظراته السابحة في مطلق مرغوب. ولا يركن جسده إلى صياغة واحدة فيبدو في كل لقاء مع جمهوره متجدداً ومجدداً لصورة الحب والحزن والوطن.

"وحدها الشتيمة ترافقها حركة اليد لا تتغير"

وفي كل لقاء تجد جمهوره يستمع بذات الحماس، ويطالبه بإعادة القصيدة ذاتها وفي كل لقاء بينهما يتمثل الشفاهي بكامل حريته. فتصبح الكتابة اكتمالاً لا أساساً أو بتعبير والتر اونج "نوعًا من مكمِّلات الكلام الشفاهي وليس باعتبارها أداة تحويل للتعبير اللفظي".

إنهّا قوة اللغة وقدرة الشعر الماثلة في لا زمنيتّه وقدرته أن يكون مستقبل ذاتهِ وعرّاف من يقدسونه ومن يرفضونه على السواء؛ تلك الطاقة التنبؤية التي تجعل أحدنا يتساءل: من أين للشاعر أن يقف فوق مسرح الزمان كي يخبر بثقة عن المستقبل!

كانت السين المستقبلية في "يا قاتلتي" حاضرة بكل ثقل المستقبل وغموضه ورهبته التي خبرناها نحن الأجيال اللاحقة.

سيكونُ خراباً .. سيكون خراباً .. سيكون خراباً
هذي الأمّةُ لا بُدَّ لها أن تأخذَ درساً في التخريب!!

إنّ شفاهية مظفر النواب، تعيد لنا موثوقيّة النص التي تفتقد لها الكتابة؛ فالأخيرة تبتسرُ الحاضر وتزيّف الماضي.

يورد جودي واط مثالاً عن ذلك عن شعب الكونجا، في غانا، "كانت التقاليد الشفاهية الكونجيّة تصور أنه ل نديو جاكبا مؤسس دولة الكونجا، سبعة أولاد، كل واحد منهم حاكم على إقليم، وعندما سُجِّلت أساطير الدولة بعد ستين عاماً كان إقليمان من الأقاليم السبعة قد اختفيا، واحد بدمجه في آخر وواحد بدمجه في الحدود"

يشير هذا النص بوضوح إلى ما تفعله الكتابة بالأشياء، إنها تختصرها وتبتلعها أو تجعل منها إيجازاً ركيكاً لذلك فقد عرف الجميع مظفر الشفاهي، بل إن القارئ ليشعر أمام بعض قصائده أنه لا يمكن نقلها للكتابة دون أن يمسّ بحريتها. وكما تصاغ القصص الشفاهية مع كل زمن بطريقة مختلفة فإن النواب يقدم قصيدة متغيرة يقلب فيها الصور المختلفة لموضوعه.

مو حزن.. لكن حزين
مثل ما تنگطع جوا المطر
شدّة ياسمين

مو حزن.. لكن حزين
مثل صندوگ العرس
ينباع خردةْ عشگ
من تمضي السنين

مو حزن.. لكن حزين
مثل بلبل گعد متأخر
لگى البستان كلها
بلايا تين

أنا گتلك مو حزن.. لكن حزييييين……

***

يا حزن يا ريت اعرفك
وين تسكن
كنت اقل لك لا تجيني
وتمشي كل هاي المسافة
آنه وحدي كان اجيتكْ

يا حزن وحياة حزنك ما عرفتك
كنّك مغيّر مشيتكْ

حاط ريحة رخيصة كلِّش
يا رخيص شكّد بكيتكْ

هذه الحرية التي يمتلكها الشفاهي لا تتاح للتدوين. مضافاً لها حضوره الحسيّ وصوته ما يعطي قصائده سواء العامية بفصاحتها البالغة الثراء أو الفصحى بحميمتها وتدفقها. بحيث تذوب هذه في تلك. وترتفع هذه إلى ذرى تلك وترفعها. تذوب معها أنا الشاعر في الذات الكبرى (ذات المقهورين-الجوعى-الفقراء) فتمتزج الثورة مع صوفية العاشق ويذوب الأخير في تمرد الثائر ورفضه.

يقول في المساورة أمام الباب الثاني:

في طريق الليل
ضاع الحادثُ الثاني وضاعتْ زهرةُ الصبّارْ
لا تسلْ عني لماذا جنّتي في النارْ
...
فالهوى أسرارْ
والذي يغضي على جمر الغضا أسرارْ
يا الذي تخفي الهوى بالصبر يا باللّه
كيف النار تخفي النارْ؟
يا غريبَ الدارْ
إنها أقدارْ

يبدو النواب مرتاحاً مع لغته، إنها بيت وجوده، يلحنها يرتجل يقرأ بالعامية تارة وبالفصحى تارة أخرى. يغني فيصفق الجمهور:

عجبٌ... عجبُ... نخبٌ... نخبُ...

يرتجل كمعلم مع مريديه:
مياو... مياو... ولك مياو... عيني مياو

لا تكتمل قراءة النواب إلا بحضوره الحسي فثراء هذا الحضور هو الجناح الآخر لطيرِ قصيدته. بل إنه الشطر الأهم فيها، ذلك الشطر الانفجاريّ، إنه اللحظة القصوى في كينونتها المتوترة والروحيّة، الثائرة والصوفيّة. حدّ أنه أصبح مطلوبا من الجميع، من الشعوب المقهورة ومن السلطات التي يكرهها حد تأثيثه لمعجمٍ خاص بها.

نقرأ في رسالة القديس بولس إلى روما "فالإيمان إذن من السماع" ونقرأ أيضاً في الرسالة ذاتها "لأن الحرف يميت والروح تحيي".

وبهذا لا تكتمل قصيدته دون سماع رنين صوته وعتابه وحزنه العتيق حدّ الندب:

واگعدلك على فراش العرس
بطرگ المسچ والنوم
...
واغمّض عود اچيسك يا ترف
تاخذني زخة لوم
واگلك: ليش وازيت العمر يفلان
يفلان العمر … يشگر ولك يفلان
...
واجوّتلك مخدتي وانطر الشبّاچ يجيبك
وانت عرس الليل والقدّاح
يا هلبت تجي وترتاح
...
يا مفتاح فضة ولا رهم غيرك عليّ مفتاح

في مباشرته مجاز، وفي مجازه مباشرة:

شُبّاكُكِ سيّدتي في الشامِ
وشُبّاكي بغدادُ
وبين الإثنين من التاريخ إلى المستقبلِ
حبٌّ وعتابُ..

كان دريدا على صواب تام في معارضته لجان جاك روسو: حيث رفض الأخير الاقتناع بأن "الكتابة ليست أكثر من حادثة عرضيّة بالنسبة للكلمة المنطوقة" فأنت يمكنك أن تغمر نفسك في السماع لا في الرؤية، ويمكنك أن تقرأ النواب قراءة شذرية، مقاطع متفرقة عاشقاً أو ثائراً صوفياً أو حزيناً تولد الصورة من الصورة والمجاز من المجاز.

ففي القلب حزنٌ جبانٌ وحزنٌ جريءُ
لكم عذّبَتْني الرياحُ تغيِّرُ وجهتَها
دون سابقةٍ والفراق دنيءُ
وكم أنتَ رغم الوضوح خبيءُ
وكم أنتَ مثل جناح الفراشة
في الحلم زاهٍ بطيءُ


شفاهية سقراط أم كتابية أرسطو؟

لعل هذا سر ولعنا بالنواب الشفاهي، فقد حُجِبَت أسرار القول لأجل الخلّص والصادقين، الذين يلتحمون بالإنسان بحيث تصبح الكلمة مرتبطة بالحياة نابعة من ترابها وقدّاحها.

في الكتابة إخفاء وإضمار في الشفاهيّة إظهار وكشف لذلك نجد خطورة الشفاهية في كل زمن فقد تجرع سقراط سم الشوكران جزاءً لشفاهيته.

النفي أو الطرد هذا جزاء الكلمة المجنحة!

وببنما يمكن القراءة بالعين فالتحدث يستلزم أن تسمع بقلبك وروحك كتب أحدهم "البصر يفرق أما الصوت فهو يجمع. فالكلمة المنطوقة دائماً حدث، أي حركة في الزمان، وهو ما يفتقد افتقاداً كاملاً في الكلمة المكتوبة والمطبوعة التي تبدو كالشيء الرابض على الصفحة".

لا يمكن أن يكون هناك انفصال في الشفاهي بين الحياة والكلمة، لا مسافة بينهما ولا شرخ وعلى -العكس تماماً-وفي أغلب الأحيان يحدث الأمر في الكتابة، لقد وصفها أفلاطون على لسان سقراط في فيدروس بأنها غير إنسانية "تدّعي أنها تؤسس خارج العقل ما لا يمكن في الواقع أن يكون إلاّ داخله".

ويصفها أستاذه سقراط "بأنها لا يمكن أن تدافع عن نفسها، على نحو ما يمكن للكلمة المنطوقة، فالكلام والفكر الحقيقيّان، يوجدان دائماً في الأساس، في سياق من الأخذ والعطاء بين أشخاص حقيقين، أما الكتابة فسلبيّة تحيا في عالم غير حقيقي".

إن شفاهيّة النواب وصوفيّته العميقة هبة كالأيمان، جعلت من شعره متغيراً متجدداً وأموميّاً:

مولاي لقد نامَ ملوكُ الأرضِ
وغُلِّقَتِ الأبوابُ..

وما زالتْ بعضُ مطاعمُ آخرِ ساعاتِ الليل
هنا وهناكَ
وفي حاويةِ الزبلِ
وبين الأوساخِ كتابُ..

أحنو وأمدُّ يدي
يمدُّ يديهِ إليَّ
ونبكي مما أهملنا الأحبابُ..

ما ميّزَ شعره لا يكمن في شحنة التحريض والهجاء أو الغضب فهي ليست سوى برعم متفتح في كونه الشعريّ. ولا بكونه خُلاصة زمن، بل سره في شفاهيته وهو الذي لم يكترث يومًا لطباعة كتاب، أراد لكلماته أن تكون الشطر الأول من قصيدة عمره.

غداً آخرُ يومٍ في عقد الإيجار
لقد نبتَ القلبُ لغيري
سأعيدُ السطحَ لمالكه
مولايَ ألا يمكنُ تجديد العقد

إن أجيالنا لم تتح لها فرصة ترقب أمسياته ولهفة الوقوف بانتظار حضوره، ومشاهدة كلماته وهي تحلِّق وتبكي وتتألم وتضحك فوق مسرح الزمان.

بين 1978-1980 وبينما كنا ننام في المهد تهدهدنا أمهاتنا، وأكبرنا لا يتجاوز الثانية أو الرابعة كان صوت النواب يتردد في جنبات الحياة مناجيًا الله لأجلنا نحن.
يقول في خمريّات:

وعاوَدَني
أنّي أسمعُ نومَ الطفلِ
دخيلُكَ يا اللهُ يشبُّ له وطنٌ
فأنا عشتُ بلا وطنٍ
وتُقَيِّضُ لي بين النهرين تراباً
أرقدُ فيه قريرَ العينِ
نعم مولاي
ترابُ..

لقد عاد المهر البري إلى بغداد وها هي أمانيه كلها تتحقق
وبي شوق أتمرّغ كالمهر في رملِ بلادي.

وكأن رحيل مظفر النوّاب أتى كدوزنة أخيرةٍ للنغم. وهو الذي طلب من جمهوره في أمسية بيروت: دعوني أدوزن نفسي.

مالم تقله قصائده ستنبئ عنه يديه، وما يخفيه صمته، سيظهر في نبرة الصوت وتوتره حين يصوب سهم الرجاء صائحًا: يا مولاي.

وحيث ينبئ الصوفي عن الثائر ويكشف الأخير عن العاشق الذي هو عليه.

لم يمض زمن مظفر بوفاته ولم يطوى التاريخ، بل يفتح موته بهذا الوقت الملتبس من الهزيمة بابا على الحياة من جديد.

لم يخدعنا، لم يقطف من الشعر زهوه وغروره بل لمس الشوكة في الوردة. وتقبل مصيره ساعياً لجعل خسارته أفضل الخسارات وحزنه أنبل حزن، فالمصير كفاح لأجل حياة إنسانية حرَّة ولا معنى له بعيداً عن هذا التطلع.

وبهذا فقط وعبر صدقه وحرارته ووضوحه يلتقط الشعر الحرية من قلب الخسارة والحب من عمق الكراهية.

سادتي .. سيِّداتي:
انتهتْ آخرُ الأُغنياتِ التي يُمكِنُ
الآنَ إنشادُها
رُبَّما يَقتُلونَ المُغنِّي
ويُخْفونَ آثارَهُ
رُبَّما سَيُذَوَّبُ أو يَختفي
مِثلَما يَحصل الآنَ في كُلِّ يومٍ
ولكنَّها الأُغنياتُ
ستبقى تُذوِّبُهُم أَبَدَ الآبدينْ

الموت ليس نهاية للشاعر، ولا أفول زمان، إن موت شاعر فعل تذكّر. وبتعبير بودلير- فالشعراء وحدهم من "يعلِّموننا جَسارة الذاكرة"




نشرت في مجلة الشبكة العراقية - العدد 405 - يونيو 2022




الآراء (0)