مدخل إلى كريستال الحنين - جمال الدين الخضور | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2011


473



مدخل إلى كريستال الحنين


إذا كان الأدبُ هو الشكل المتحرك للمنظومة المعرفية للأمّة أو للجماعة، فإن الشعر هو الأكثر حركية والأعمق إيقاعاً، والأكثر توتراً في مقاربة تلك الزوايا والمواقع البعيدة في النفس البشرية (فردية أو جماعية) من غيره من صنوف الأدب.

ومن خصائص مقاربة النص الشعريّ الحديثة والحداثية، الارتكاز على "معايير" مفتوحة (غير مغلقة) تتداخل مع النص لتنتج منظومات مفتوحة أيضاً، وتكتشف عناصر بنائية جديدة في القص، تعجز المقاربات الكلاسيكية أو المغلقة عن اكتشافها.

فالدخول إلى البنية اللفظية والتركيبية يجعل المقاربة أكثر ارتباط باللغة مما يسمي "الشكل"، فالأولى تقودنا إلى ما يمكن أن نسميه السيرورة الخارجية للنصّ، وهي مرتبطة حكماً بعناصر السيرورة الداخلية. مما يعني أيضاً اكتشاف المجال الواسع لحراك القيم النصية – الشعرية - الأدبية - المعرفية، بارتباطها بالقول الشعري تحديداً، وليس بالعلاقة المباشرة بوظائف اللغة، بمقاربتها لحقائق القيم البعيدة، والمنفصلة عن سيرورتها في النص الشعري. وهذا لا يعني أن التوظيف اللغوي في القول الشعري مرتبطٌ بالوظيفة الشعريّة للغة، بل يعني أن مقاربة البنيتين اللفظية والتركيبية تتعدى تلك الوظيفة وصولاً إلى المجالات المفتوحة لما بعد السيرورة الخارجية للنص باتجاه سيرورته الداخلية والولوج لاحقاً إلى البنية الدلالية، وبنية المعنى. وهذه الأخيرة تتشكل من تداخل مستويين، الأول، ويتطابق مع الدلالة وبنيتها، والثاني مستبطن خلفها وبها وعنها وهو ما يتكشف من مقاربة عناصر حراكٍ السيرورة الداخلية للنصّ، في مستوياتها المضمرة في دلالات اللغة.

وبهذا، نكتشف ألق النصّ الشعري، والزوايا الخفيّة فيه، والعمق المتحرك في جمالياته التي لا يمكن أن نصل إليها في المقاربات الستاتيكية والكلاسيكية، والتي أظهرت عجزاً بمقاربة النصوص العابرة للأشكال لا سيما تلك التي تقرأ القافية سمةً لا ترتبط بالشغل على اللغة ارتباطاً يحتاج لمداخلات نقدية لغوية. كذلك ترى في القافية ومشتقاتها بياناً لا يدخل في صلب الحراك اللغوي. بمعنى آخر، اعتبار القافية والموسيقى الخارجية عملين من خارج اللغة، أو سمتين بعلاقات هشة مع اللغة. مما يستدعي أن تبتعد المقاربات النقدية الحديثة والحداثية عن محاولات ربطهما باللغة كمنظومة إشارية تاريخية اجتماعية مفتوحة متطورة..

وهذا ما استدعاه ذلك المستوى الرفيع من النصوص المقدّمة حيث نبدأ من نص الدكتور المهندس حسان الجودي، حيث يبدو الكريستال أبيضَ، فيفتش فيه عما كان ضائعا ومفقودا في خزانة الشعر تلك التي لا تتطابق أو تتقاطع مع أي خزانة في الوجود بمقدار تقاطعها مع خزانة الأم.

ما كان ضائعا من خزانة الشعر نجده في الكريستال الأسود الذي ينفتح على بياض أسطورة الأمومة في نص يعبر الشعر والسرد والكتابة. فليس صحيحاً أن اعتماد النص على الأسطورة التاريخية في الميثولوجيات العربية هو ما يعني أسطرة النص، بل لكل نص رفيع عالي اللغة، عميق البيان أسطورته الخاصة، التي يشكلها من بنائه الخاص، بعيداً عن تاريخيات السّرد وأسطرته.

فأسطورة الكريستال الأسود تبدأ منذ الدائرة الأولى (آلة إنعاش العشب). فكل المكان المبثوث في اللفظ الأول أزرق (أمامك خلفك قربك حولك حولي الملاءات زرقاء والألم المتطاير أزرق) ليصاغ التركيب في أسطورة زرقاء تذكرنا بأسطورة البياض في الغرفة رقم (8) لأمل دنقل. لكن البنية التركيبية لدى حسان الجودي لا تنهي وقعها على إطلاق الأزرق، بل ينتقل إلى (لا شمس في الزرقة الأبدية) حيث يصبح الكون حالكا مظلم أسود بالمطلق. فحيث تنتهي الشمس من الزرقة يصبح الكون حالكا أسود.

ومن قلب تلك الظلمة المطلقة يظهر بعض النساء يغسلن أكفانهن وأم الشاعر كما هي أحلى وأعلى من البرتقال الذي يتدلى على البيت. هذه المشهدية الأسطورية في البناء اللفظي والتركيبي تحدد الخلفية التي تقدَّم بها الأم كمحور للحراك الأسطوري، ولتتقدّم الشخصية الثانوية (الشاعر) لتخدم السيرورة الخارجية في تقدم النص – الأسطورة:

زرقة مطلقة --> نساءٌ وأكفان --> الأمَّ --> عودة الشاعر...

وتعود الأسطرة المتمحورة في الأم بعد رسم تحولات سيرورتها الخارجية لصياغة عالم الشاعر في بنيةٍ تركيبية متعددة متراكبة متداخلة:
يركض الحنان
يشبع من القبلات... من الرزّ الذهبي
يحلم بالطيران الطويل

لكن الشخصية الثانوية في الأسطورة (الشاعر)، ورغم ذلك لا يستطيع النهوض بقلب الأم...
فيعيد الأسئلة:
كيف ترين الحياة وأنت مقيّدةٌ بالعدمْ؟!

منذ ثلاثين يوماً والحمّى تهزّ جسدها، والتجفاف يجتاح الجسد أيضاً فاتحاً الطريق في الأوردة والشرايين للوحوش (الجراثيم) فتلتهم كريات الدم الحمراء والبيضاء والصفيحات وكل طقوس العبادة والحب.
/ لكن الحياة لا تريد الهزيمة / رغم وجود أنابيب التغذية، وغسل المعدة، والقثاطر الموزعة هنا وهناك، وتلك الآلات المطلوبة لتتجمّد الروح دون ألم.

أيها الموت زرنا قليلاً،
لنعرف أنّ عصاك حقيقيةٌ،
وحياديّةٌ كالتهابٍ خطيرٍ
وأنك راع قويٌّ تفضل هدم القممْ..!


في آلة إنعاش العشب تعود الشخصية الثانوية عبر تراكم التراكيب لتندغم بالشخصية المحورية في أسطورة الأم - الأم - ليعود اللفظ حاملاً الـ (أنا)  زرنا  لنعرف، ويظهر أكثر وضوحا في "زيارة ممنوعة" حيث يتم تبادر الأدوار بين الشّاعر وأمَه حتى التماهي الكامل.

وهنا ننتقل من التركيب إلى الدلالة بمستواها الأول المذكور أعلاه فيصبح موقع الشاعر متداخلا مع موقع الأم التاريخي، فهو الذي ينظف وردة الحمّى، ويصنع مرهماً كي يرطّب الجروح والحروق والقروح، ويطحن حبات الدواء مع الحليب، ويلقم الأنبوب طعماً لا يُطاق (أم الشاعر هنا، رهينة العناية المشددة، تستلقي على السرير الأزرق طويلاً، تتغذى عبر أنبوب المعدة. وبسبب الاستلقاء لفترة طويلة، تبدأ القروح بالتشكل على نواحي الجسم الملتصقة بالفراش... تتقدم الحالة الصحية. تسوء العلامات الحيوية، توضع المريضة - الأم على التنفس الاصطناعي /المنفسة/ مع مراقبة مونيتورية مستمرة. تُطحن حبات الدواء وتُمزج مع الحليب لدفعها عبر أنبوب المعدة)

ويقوم بكلّ ذلك الابنُ -‏ الشاعر، الذي تحول إلى أمّ حنون. يختفي خلف زمانها وتاريخها، وتختفي الأم خلف واقعها وواقع ابنها الموضوعيّ:

لا يزال ، يضمّها صوراً مطرزة الحواشي بالخيال،
ولا يزال يعيد ترتيب الحدائق
كلما يبستْ بنفسجةٌ على الكفين من وجع السؤال ...
أنا وأنتِ ، من الصغيرُ، من الكبير؟

وأكثر ما يظهر ذلك في (مونيتور – أحمق وجميل): حيث المونيتور هو جهاز المراقبة المباشرة للعلامات الحيوية عند المريض، ضوئياً وصوتياً (النبض، الضغط، التنفس/ العمق وعدد الحركات/، الحرارة، الخط البياني للنبضات)، يدخل في خطاب الشاعر معه مباشرة:

بأي آلاء صدقتَ وأي آلاء كذبتَ،
أنا أفضّل حكمة الأجداد حول حماقة الآلات،
والمكتوب فوق العين موصول بحبر الله،
إرثٌ لا يقاوم أو يبدّل،
يعكس (المونيتور) معجزةَ البقاء
ولا يجاهد مثل قلبك كي يلامس نبض كفي،
لا يقاتل حين يخنقُ لا يقاوم حين يقفل ُ،
أحمقٌ يتأمّل العصفور يذبح في السرير
ويقرع الطبل المدوّي في السماء،
كأنه يوم الحساب،
كأنه مَلَكٌ إضافيٌّ لتفعيل الرُّعب ْ...!

حيث يعود الشاعر لاعتلاء السيرورة الخارجية للنص، ويظهر ذلك واضحا في "كرة الموت" حيث يراقب (الديتول)، والغبار الذي هو ازدحام للروائح، والصيّادين المفترسين، وآخرين يهمهم وقت زيارة المريض، أكثر مما يهمّهم الوعل الراقد في المرمى الرهين بالعمى، وآخرين على الرصيف... ومن تلك النافذة حيث يطل على الرصيف المزدحم بزوار العشيرة، يدحرج الشاعر أفكاره، ليبتعد مراقباً الموضوع من زاوية أبعد...:

- لو أن الحياة غبية... كنا وجدنا الكنز
- لو أن الحياة قصيرة... كنا ولدنا أرنباً

ويجيب هو مباشرة:

لكنّ الحياة تظل أجمل
لو تناولتُ الفطور العائليَّ ببيت أمي،
...
روح أمي، قلب أمي
...
وتستريح نجوم أمي من مراقبة النهارِ...

معتمداً على الوحدات الإدراكية في مراقبته ومتابعته، فاعتمد الشّاعر على منظومة العلاقات والعناصر والقيم التي يستخدمها الفرد في قراءة الذات والموضوع، بما يمكن أن يكون مرتبطاً بوعيه وإرادته، كما في المونيتور، كرة الموت في قسمها الأول، أو بما يمكن أن يكون مرتبطاً بوعيه، لكنه مستقل عن إرادته... في الحالة الأولى يظهر الخطاب الشعري وصفيّاً، يركن على سيرورة النص الخارجية مطابقاً بين المستوى الدلالي والمعنى المرتبط به مباشرة.

أما في الحالة الثانية فلا بدّ من التقاط المعنى المستبطن خلف الدلالة رغم ارتباطه بها، كما هو الحال في آلة إنعاش العشب، وزيادة ممنوعة. وفي حال التطابق بين المستوى الدلالي وما يليه من معنى يمكننا القول أن الوحدات الإدراكية تماثلت وتطابقت مع الوحدات الحسية في القول الشعري. وهو ما يقدمه الشاعر خلال وصفه الحسي لما يجري مع ‎أمه في أجهزة العناية وعلى جسدها الطاهر وعلى شاشة المونيتور وفي الغرفة، وفي أوقات الزيارة، وعلى مدخل المشفى وعلى الرصيف المقابل.

وبالربط بين الوحدات الإدراكية والحسّية، تداهمنا الوحدات التخزينية (التذكيرية) فتخلق ذلك النسيج التواصلي بين ‎البيئة الفضائية للماضي (للذي كان) بتكوينه العام، بعلاقة حسان الجودي مع والدته، وما يولده ذلك من عناصر ذاتية مرهونة للتجربة الشخصية (التي كانت)، وكل تلك العناصر مع الحاضر بما يحمله من تراكيب جديدة تشير إلى دلالات، غير تلك التي كانت، لينتقل بنا الشاعر إلى الوحدات الإرهاصية في منظومة التخزين نفسها فيظهر الخطاب الشعري رفيعاً عالياً فضائياً يحمل إلينا ما يستنبطه الشاعر خلف دلالاته النهائية ليصيغ لنا وحدات نصتّه التخيلية.

وهنا تحديدا تظهر عملقة الشاعر، وقدراته الإبداعية، حيث يبدو المستبطن في الدلالة ذو العمق الخفي، وكأنه مرتبط بالمعنى الذي تشير إليه مباشرة:

في السوق (سلبينٌ) تعطّر بالربيع،
وقربه (بابونجٌ) مخضوضر
...
فيها من (السلبين)
ما يكفي لتعزيز المناعة ضد موت الذكريات

فالوحدات التخيّلية المتعددة الأبعاد في فضاء النص تمتد إلى ما لا نهاية، وتعطي النص تكويناً حجمياً متصاعداً، فالشاعر لا يريد موت الذكريات، وهو بحاجة إلى ما يوقظها. وليست الذكريات هنا تلك الوقائع المادية الموسومة في الذاكرة بالمعنى الميداني الموضوعي فقط بل هي تمتد إلى أبعد من ذلك، إلى حيث الارتكاز المعرفي والأخلاقي لها:

ولا أزال أسير بالبستان خلفك
كي أعيد طيور صدرك للهواءِ..!

فالشاعر يستند على الوحدات التخيلية في نصّه ليعيد لأمه الحياة، لكنه في الرابعة صباحاً، وهو ما زال هاجساً بالمشفى، وحلمه لم يزل فوقه ثقيلاً... مجاريا المشهد الكوني... حيث النهايات بدايات كنهر دائري... ذلك ما يقدمه قلم الشاعر وهى يكتب وصفاً للحياة.

تحمل الأم بابنها على زيزفون الألم تسعة شهور، ثم تكون الولادة على أوتار ربابات الألم والصراخ. يبدأ الطفل نشيد الإرضاع، يكبر على هدهدات الغبار والصمت والشمس، تحمله الأمّ صبياً إلى اليفاعة والشباب على أهداب العذاب والفرح. يكبر الزمان في خلايا الأم ويضطرب القلب والنبض، وتبدأ الهشاشة العظمية تنهش عظام مواويل الأم وأغانيها ورزّها الذهبي، وسلبين خبزها.

تستلقي على سرير اللا حراك، بين شهيق قسري عبر الأنابيب، وزفير باكٍ عبر هواء ضيقٍ كالحياة على شاشة المونيتور. هنا يبدأ الابن بحمل الدائرة الثانية من حياة تدور على وقتها. في الدلالة المباشرة يأخذ دور الأم، وفي ما استنبط بها، يأخذ دور الأم - الحياة - المعرفة – معنى الوجود - معنى الزمن...

متعالقان أنا وأنت على الحليب
وفوقنا شمس مرنّحة من التلويح للأبدِ.

من حلمتيك رضعتُ ذاكرتي
ومن عينيك صغتُ شقائق الأمواج شاهقةً على الزبدِ.

ما أبأس التفكير أنك رحلةٌ موقوتةٌ

والتفكير بصوت عال قبل أحبّك وبعدها الذي يدفع الشاعر ليكتب أشياء أخرى مظلمة الألوان...

في الدلالة الأولى المرتبطة بمعناها المباشر حضورٌ وعلاقات دوالٍ تتمثل بخطاب الزمن المباشر للشاعر، المعيش على قارعة الموت. في الثانية وحيث تحملها الإشارة المستنبطة، زمن آخر يدخل من ناحية الحياة إلى اليوم عيدك:

اليوم عيدكِ.. كيف أختار الهديةَ؟
ربما ثوباً وشالاً، للخروج إلى احتفالات الربيع...
...
كي تفيض سلالك الخضراء بالأكواز...
...
يا أمّاً محاربة تعاند موتها كي تسمع النصَّ الأخير...

إنّ أمي لا تريد قصيدتي في عيدها،
هي لا تريد حديقة أو مئزراً أو كنزةً.
أمّي تريد بدايةً وهزيمةً أخرى لتنتصر الحياة.

وهنا يفصح الشاعر الكبير عن دلالاته المستبطنة في النص عندما اندلقت العلاقات الغيابية في متن النص في جملته الأخيرة وعبرها.
وهذا ما قصدنا به الصيرورة الداخلية للنص الشعري. بمعنى ارتباطها بمدى تواشج العلاقات الغيابية بعناصر الزمن وقدرتها على اختراق البنى اللفظية والتركيبية والدلالية، وصولاً إلى المعنى الفضائي (الحجمي) المقصود شعراً في ختام النص (انتصار الحياة).

نص متينٌ مترابطٌ متواشجُ العلاقات ابتداءً من بنيته الأولية، اللفظية حيث تصطف عناصرها لتكوّن تركيباً لغوياً متماثلاً في سيرورته الخارجية التي يشي بها في دلالاته مع ما يريد الشاعر.

استخدام الأفعال، الأزمنة، منصّات التساؤل، الحضور، الغياب، الوحدات البنائية اللغوية والشعرية تعطينا نصاً شعرياً متميّزاً، يعتمد على أشكال انتقالية تفي بالهدف الشعري وبالوقائعية الميدانية لنفس مجروحةٍ تستلقي على خاصرة الموت بمنجله، لكنه يعيد التشكيل عندما اقتضت الضرورة بدلالاتها وليس بنموذجها الشكلاني.

ولا أرفع من مستوى قراءة نص حسان الجودي حين أقول بأنه متميزٌ جدا في خارطة الشعر العربي السوري المعاصر، ويسجل فيه الدكتور المهندس (والذي يبدو أنه يشتغل في الطب أيضاً) قمة تحتاج إلى وقفة خاصة تفصيلية، فالنص العظيم هو الذي يفتح ذراعيه للنقد الجاد.




نشرت في مجلة الموقف الأدبي - العدد 482 - يونيو 2011




الآراء (0)