الشعر والانتماء للطبيعة - حسان الجودي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2021


126



الشعر والانتماء للطبيعة



الانتماء للوطن هو انتماء أيدولوجي سياسي، يعبر عن ذاكرة جمعية وجدت تعريفها وذاتها في مكان ولدت فيه وأسست فيه التقاليد، وتمتعت بحماية قانونية مكنتها من جعل الوطن مفهوماً مقدساً لا يمكن التخلي عنه.

بينما الانتماء للطبيعة هو انتماء إنساني أصيل قد يبقى في مرحلة العلاقة البسيطة بين الإنسان ومصدر حياته، الهواء والماء والغذاء. وقد يتحول إلى مفهوم فلسفي، فالطبيعة هي الأم المقدسة، وهي الآلهة، وهي المصدر المستدام للحياة وهي البداية وهي النهاية وهي الوحدة الوجودية التي دعا لها الكثير من الشعراء والفلاسفة ومنتجو الفكر العالمي في مختلف العصور. وهي تلخيص مكثف لعلاقة الإنسان بالطبيعة وهي قد تشكل بديلاً موضوعيا عن علاقة الإنسان بالآلهة.

فلماذا كرس الشعر العربي الحديث مفهوم المرأة- الوطن- الأرض. ولم ينتقل إلى أفق الإنسانية الأرحب وهو المرأة- الطبيعة؟

هل لذلك علاقة بالأوضاع السياسية التي كانت سائدة والتي جعلت مسألة الهوية الوطنية هي مسألة دفاع عن الوجود الحضاري؟

أم لذلك علاقة بمفهوم الامتلاك الذكوري للعالم والذي يلقى رواجاً منقطع النظير في بلاد متنوعة الثقافات. والذي صاغ تلك العلاقة بين الرجل والمرأة وفق مفهوم السيد والعبد؟

لقد تطور هذا المفهوم الذكوري العنيف للوطن وتم ربطه بمسألة الشرف. وهي مسألة ترى فيما بين ساقي المرأة، الكرامة التي يجب الحفاظ عليها. إن مظفر النواب خير نموذج عن الشاعر (الفحل) الذي جعل القضية الجنسية بمفاهيمها المغلوطة عن الشرف والكرامة، قضية هوية حضارية وطنية، وأكد بذلك جندرية إشكالية ما تزال قابعة في الأعماق.

حضرت المرأة- الوطن في قصائد شعراء كثر، كنزار قباني ومحمود درويش، والذي قدم مع شعراء المقاومة مفهوماً جديداً وهو المرأة - الأرض.

وقد سبقهم في ذلك الشاعر الجاهلي دوقلة المنبجي:
إن تتهمي فتهامةٌ وطني
أو تنجدي إن الهوى نجدُ

لا يخرج سياق هذا البيت عن مفهوم المرأة- الوطن. وما يزال الشاعر العربي المعاصر مصراً على امتلاك المرأة والوطن والأرض وسجن هذه المفاهيم المجردة في فضاء المكان الضيق الذي ينتمي إليه.

ماذا عن الطبيعة الأم مثلاً؟ ولماذا لا تحضر إلا قليلاً بسياقها الثقافي والروحي والفلسفي في اهتمامات الشعر العربي المعاصر؟

وهل ظلَّ جميلاً فعلاً ذلك الإصرار على حب المرأة باعتبارها وطناً، وحب الوطن باعتباره امرأة. وهذا شرط لا يستقيم إلا بشهوة التملك التي تتنافى مع مفهوم الحب المتسامي (العطاء دون الأخذ).

لقد أريق حبر خالد في الحديث عن وحدة الوجود، وحول الطبيعة الأم الكبيرة، والآلهة المعبودة، وتحولها فيما بعد وتنمذجها في صورة خالق الكون .

هل ينقذ الإيمان بالطبيعة وفق أي مفهوم كان، الشاعر المعاصر من محنة اليأس الوجودي والذي يظهر غالباً بعد زوال هرمونات الجنس والشباب، (أو بسبب المرض) فلا تعود لشهوة الامتلاك القدرة على رسم الخطى الشعرية باتجاه الكون- القبر؟

بعد ديوانه المثير للانتباه (أوراق العشب) أصيب والت ويتمان (1819-1892) بالشلل بعد سكتة دماغية.

ذهب ويتمان للتعافي من مرضه إلى مزرعة أخيه في نيو جرسي. وقد كتب أثناء فترة التعافي في مذكراته:
بعد أن تكون قد استنفدت ما هو موجود في الأعمال الأدبية والسياسية وفلسفة العيش المشترك والحب وما إلى ذلك، ولم تجد ما يرضيك، فماذا يبقى؟
يحيب واتمان:
تبقى الطبيعة، الأشجار والحقول وتغيرات الفصول، الشمس نهاراً، والنجوم ليلاً.

لقد وجد ويتمان الحيوية في العالم الطبيعي وسمى ذلك (الانتعاش والتوازن للطبيعة المادية في الطبيعة، والذي هو الميثاق الوحيد للحفاظ على حكمة الكتب أو الحياة البشرية).

لم يعاصر ويتمان اكتشاف العلم أن الإنسان هو من غبار النجوم، وربما لم يكن يعلم بدورات الطبيعة المغلقة مثل دورة الكربون والآزوت والماء ومن أن كل ما يفنى على وجه هذه البسيطة هو متجدد الحضور بأشكال متنوعة أخرى.

لكنه بالتأكيد كان مطلعاً على الثقافات القديمة التي تمجد الأم - الالهة - الطبيعة، وقد شفي نسبياً من مرضه بسبب إيمانه بوحدة الوجود، وتوحده مع روح الهواء والماء والشمس واليخضور.

في قصيدة أغنية نفسي المقطع الثالث يؤكد ويتمان مفهوم وحدة الوجود ببراعة شعرية نادرة.

يرفض ويتمان التقسيم والانفصال والتدرج وبدلا من ذلك يحتفل بـ"رباط الهوية" وكيف نوحد اختلافاتنا التي ولدت معنا من أمهاتنا وآبائنا ومعهم من أمهاتهم وآبائهم الذين هم أنفسهم مكونين من ذرات العالم المستمرة في التدفق، ذلك التدفق الذي أنتج كل واحد منا. ما يميزنا دائما يكون نتيجة هذا الرباط و"نتيجة الحياة" وهذا هو "الاندفاع الولّاد الذي يوحد الأفراد مرة تلو الأخرى لإنتاج أفراد جدد - الأفراد الذين يجب أن لا ينسوا ترابط العالم الذي لا ينتهي، الذي أنتجهم. هذا الانقسام الظاهر بين الروح والجسد هو مجرد وهم؛ ويتمان يؤكد أنه فقط من خلال توحد الروح والجسد يمكن للهوية أن تتشكل: "الحاجة الى واحد، حاجة الى الإثنين معا".




الآراء (0)