لغة الشعر أم شعر اللغة؟ - عمر الأزمي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2022


253



لغة الشعر أم شعر اللغة؟


لعل أعظم شيء منحه مارتن هايدغر للشعرية هو أنه حاول أن يقدم - عبر اقتراح موضوعة "مصدر العمل الفني" - أجوبة عن سؤال الدلالة في الشعر، وهو السؤال الذي ظل منذ أرسطو مثل الجمرة المشتعلة، يقذفها الفلاسفة إلى المناطقة والمناطقة إلى اللاهوتيين ثم هؤلاء إلى اللسانيين... وكل ما استطاعوا فعله جميعا هو أن يلبسوا السؤال كفنا اسمه "الظاهرة" ويطلقوا عليه اسما: "ظاهرة الغموض في الشعر".

إن الإشكال الحقيقي هو أننا أمام فن مادته اللغة، لكنها لغة عاطلة عن العمل بالنسبة لعلماء الشعرية (خصوصا عند جاكبسون وكوهين)، تركز على ذاتها وتطيل الوقوف أمام المرآة لتبدو جميلة، جميلة وفقط!

لكن هذا لا يحسم في الطريقة التي تتمظهر بها الوظيفة الجمالية في النص الشعري، أي: كيف يمكن النظر إلى الشعر نظرة جمالية متجاوزة لطبيعة مادة الاشتغال التي يقوم عليها (وهي اللغة)؟ وكيف يمكن "تذوق" المادة الجمالية التي يقدمها من خارج الدلالة؟

الأمر هنا يتجاوز البنية إلى الماهية، فهذه المرأة الجميلة التي تدعى اللغة الشعرية موجودة بالفعل، وتثبت كل مرة أن جمالها متجدد، وأنها تستطيع أن تكون شعرا.. شعرا وفقط. إنها ذات جمال لا يوصف خصوصا عندما يدعوها شاعر عظيم إلى الرقص.

لكن كيف تستطيع أن تسحرنا بحديثها دون أن تقول شيئا في الواقع؟

حين رأى هايدغر هذه اللغة تتألق في شعر فريديريتش هولدرلين (1770- 1843) بغموض ساحر ومثير، كان بالذكاء الذي يكفي لكي يطرح السؤال الصحيح: ما أنت؟ ومن أين أتيت؟ وليس "ماذا تفعلين هنا؟" أو "كيفَ استطعتِ فعلها؟".

لقد كانت لغة تستوعب المعنى، دون أن تكون بحاجة للإحالة عليه. أو لنقل إنها لم تكن تقدم معنى للفهم، وإنما تقدم ذاتها كمعنى قابل للمعاينة وللإعجاب.

ولن يتأتى فهم ماهية هذه اللغة "العظيمة" إلا بتحويل الاهتمام من تأمل طبيعة هذه اللغة التي تحتوي الشعر إلى تأمل الشعر الذي يحتوي هذه اللغة ويتجسد فيها وبها. هذا هو رهان هايدغر الحقيقي:

"إن الشعر لا يتلقى اللغة بوصفها مادة تكون في تصرفه لكيْ يُعمِل آليته فيها. بل على العكس من ذلك، الشعر هو الذي يبادر إلى جعل اللغة ممكنة."
(مارتن هايدغر، إنشاد المنادى، ترجمة بسام حجار)

من أجل ذلك يكون من باب تساوق التصور الأنطولوجي/الهايدغري مع ذاته، أن يقوم بتحجيم دور الشاعر في الإنتاج الشعري، عبر تعطيل فعالية الأداء/القول، حيث يُسنِدُ إليه دورا سالبا، وهو الدور المقابل لفعل القول/الإنتاج، أي دور: الاستماع/الاستقبال.

والواقع أن إسناد فاعلية الكلام للغة الشعرية، وجعل القول/التعبير من قبل الشاعر مرتبطا بالاستماع يجعلنا نسائل الدلالة الشعرية من زاوية ثانية، في ارتباطها بكفاءة القول، حيث كثيرا ما نسأل أيضا أسئلة مثل: ماذا يريد الشاعر أن يقول؟ أو: عم يتحدث الشاعر؟ في حين ينفتح التصور الهايدغري على إمكانات انبثاق جديدة ومختلفة للقول الشعري.

هكذا تتبدد المساحة بين الإدراك وبين التعبير، ما دامتْ الحقيقة الشعرية كامنة في اللغة، وما دامت اللغة موجودة بالفعل، بل إن وجودها ذاته وفي ذاته تحقق مكتمل للدلالة/الحقيقة من حيث هي جوهر وشرط وجود. من أجل ذلك تكون أصالة الشاعر في قدرته على الاختفاء لا في قدرته على الظهور، أو بمعنى وجودي في قدرته على المماهاة بين الغياب والحضور، بين الاستماع والقول.

إن ما يريد أن يقوله الشاعر –بهذا المعنى- ليس مفارقا للغة، بل إن هذه اللغة هي التي تحمل جوهر الحقيقة، وهي التي تحدد للشاعر حقيقته حين تنقال على لسانه، أي حين يقولها بصمته.

يقول هايدغر:
"من هو الكائن البشري؟ إنه ذلك الكائن الذي يتوجب عليه أن يشهد على ما هو عليه. وأن يشهد يعني أن يكشف، أن يشي. لكنه يعني أيضا الاستجابة، في الوشاية، لما هو موضوع الوشاية. الإنسان هو ما عليه، تحديدا، في الشهادة على وجود العالم." (كتاب إنشاد المنادي).

إن هذا السلام إزاء الفاعلية من لدن الشاعر، يعني انعداما للقيمة التواصلية للخطاب الشعري، وليس فقط لوظيفته التواصلية. أي إن الأمر يتجاوز بنية اللغة الشعرية، إلى ماهيتها، ويتجاوز طبيعة الشعر كمادة لغوية، إليه كواقعة أونطولوجية تراهن على التسامي على الفكر، باعتبار هذا التسامي شرطا أساسيا لتحققها القيمي/الأونطولوجي.. إنها مسلمة ينطلق منها هايدغر، وينتهي إليها:
"الحوار مع الشعر، إن كان حوارا ينطلق من الفكر، لا يمكن أن يخدم القصيدة ." (إنشاد المنادي.)

إنها قضية تتجاوز التعامل مع اللغة الشعرية من حيث هي بنية غامضة، إلى التعامل معها من حيث هي واقعة/ماهية غامضة. لأجل ذلك لا يكون التأويل إدراكا تقنيا، بقدر ما يكون انفتاحا واعيا بالحقائق الأونطولوجية للغة الشعرية. وكلما كان هذا الوعي حقيقيا، كان التأويل بدوره واعيا بدوره الأونطولوجي بحيث لا يسعى إلى جعل اللغة الشعرية لغة أداتية من جديد، لأن نفي الأداتية هو ما يجعلها قابلة للانفتاح على التأويل.

بهذا المعنى ينفتح التصور الهايدغري على التأويل انفتاحا متجاوزا لاستنطاق النص الشعري دلاليا، بل ينطلق من نقطة سلب/نفي الدلالة –بما هي شرط وجود اللغة الشعرية- ويتجه صوب تجذير وترسيخ ماهويةِ هذه اللغة وجوهريتها . ومن ثمة إلى قطع الصلة تماما مع الفاعلية الدلالية للغة الشعرية.




.




الآراء (0)