الحبّ والشّعر محواً وإثباتاً - قراءة في قصيدة "لم تأتِ" لمحمود درويش - سيف الدين العلوي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2022


266



الحبّ والشّعر محواً وإثباتاً - قراءة في قصيدة "لم تأتِ" لمحمود درويش


في التماس البَداعة

ما مظهر البديع في النصّ إذا كان الحدث فيه غيرَ بديع؟ لا شكّ هو حينئذ التقاط اللحظة الباهظة على تكراريّتها وبرغم جواز حدوثها المتواتر. وما تكون اللحظة المتواترة في الوجود البشريّ ضمن العلاقات العابرة أو القارّة بين زوج رجل/امرأة؟ لا شكّ هي لحظة انتظار امرأة في خلوة حبّ أولى أو هي لُقيا مختلسة متفرّدة. وهي إلى ذلك ما يُصاحب هذا المناخَ من توهّجات عاطفيّة هائجة وتحفّزات حميميّة دفيقة.

ينطلقُ النصّ من وضع بسيط يكاد يكون مألوفا إذن، وينتقي حدثا عابرا في الزّمان ليُنشئ عبره حالةً فارقة في استتباعاتها وفي ما أفرزته من انتقال واستحالة من قطب وجدانيّ إلى قطب وجداني نقيض مقابل.. يتحوّل النصّ باللحظة النفسيّة التي تميّزه من طور البساطة إلى طور التّركيب ومن طور الصّفاء إلى طور الاختلاط والتّشوّش. وفي نفس الوقت يزعمُ الشّاعر اندراجَه في شوط ترتيب المشوّشات الطّارئة (الزّمان أحداثاً والمكان أشياءً)..


في ترصّد حركات النصّ الكبرى:

الشكل الإطاريّ المتحكّم في النصّ أو نمطه الكتابيّ الأبرز هو المونولوج / الحوار الخفيّ هو الذي ينقال شعراً ويخرج بذلك إلى البوْح والانكشاف: يمكن توزيع هذا المونولوج على ثلاث حركات كبرى:

تقرير حالة - تعقيب دعْم للحالة - استنتاج استبطاني متولّد عنهما معا.. تمثّل هذه الحركاتُ محوريّةَ الوارد الشعريّ الذي يُشكّل النصَّ في كلّيتِه بتطوراته و تداعياته اللاّحقة..

تقرير حالة: "لم تأتِ": ينبثق النصّ من هذا التقرير النافي لحدث غير متحقّق في ماض قريب. يليه مباشرة تعقيبٌ يقيني مستقبليّ "قلتُ: ولن".

= ينتُجُ عن ذلك حاصلٌ أوّليٌّ - انتظار متوَّجٌ بغياب يستوجبُ ردّة فعل عاجلة وموقفا فوريّا مُستتبَعا "إذن".. والقصيدة ههنا بهذا الاعتبار منتهية في زمانها (ماضيا+ حاضرا+ مستقبلا) حتّى قبل توغّلها في تفصيل الحدَث مَشْهدَةً.. علينا أن نبحث حينئذ عمّا هو غير مُنته من القصيدة.


اللاّمنتهي بين التشوّش والترتيب:


1- العلاقة مع الزمن:

لننظر أوّلا في العلاقة مع الزّمن: "إذن" هو حرف جواب وجزاء لكلام سابق تدلّ على أنّ ما يليها نتيجةٌ منطقيّة للموقف المسلّم به قبلها.. تمثّل "إذن" تعقيبا آنيّا منطقيّا استتباعيّا لفعل سابق غيرِ ناجز "لم تأت"، يليه فعل استقبال فوريّ عاجل يشكّل ردّ فعل استتباعيّ بدوره أي من مقتضيات الفعل السّابق له: "سأعيد ترتيب المساء".

ننظر في هذا التّشاكل والتعارض في ما بين المخفيّ والظّاهر، أو بين انعكاس الأثر النّفسيّ للأشياء (على إثْر الغياب) وبين الحدوث الواقعيّ للأشياء في المكان والزّمان: حيث الخافي المستبطن هو ترتيبٌ يقابله في الظّاهر المتجلّي تشوُّشٌ، بينما الأصل في الأشياء - في هذا المقام - أن يكون الظّاهرُ (قرائن المكان) مرتّبا باعتبار فعل الانتظار وموجباته ولوازمه من تهيّؤ واستعداد في المكان والوجدان... وأن يكون الخافي (قرائن الشّعور والوجدان) مُشوَّشا باعتبار ما حصل من أثر سيّء بفعل الغياب.. إنّ هجرة الشّاعر - و أعني تحوّلات نفسه في اللحظة تلك - من وضع إلى وضع مغاير، تكون عندئذ من النّظام (على مستوى المكان والأشياء) إلى الفوضى (على مستوى النفس والشّعور) لتتحوّل هذه الفوضى إلى محاولة في ترتيب جديد، هو في الحقيقة وفق الحالة الشعوريّة إضفاءٌ أو إحْداثٌ جديدٌ لفوضى راهنيّةٍ مستجدّة على ما هو مرتّب منظّم أصلا..

نستنتج حينئذ عمق الأثر النفسيّ لنفْسٍ تشهد اختلالا فُجائيّا بفعل غياب المتغيّبة حتّى تتداخل فيها (في النّفس) حدودُ المفاهيم بين التشوّش والتّرتيب.. كان أولى بالشّاعر أن يعلن أنّه سيُفوْضي ما هو مرتَّب ومنضَّد. ولعلّ الفعل حينئذ الذي يَحلّ محلّ "سأعيد ترتيب"هو سأعِدّ تشويشا جديدا في الزّمان والمكان والأشياء وفق حالتي النفسيّة المبعثرة. فالمنطق أنّ النّظام يستدعي نظاما شبيها والفوضى تقتضي فوضى انعكاسيّةً. فيما حدث ههنا العكس:

"إذن .. سأعيدُ ترتيبَ المساءِ"
: يرد الاستنتاج / قرارا عبر مونولوج الوحدة الموحشة: يتمّ ههنا استبدال اللحظة بمحاولةِ ابتكارِ نظامٍ (إيهام بابتكاره) يقطع مع الفوضى / مع اللحظة العابثة.. المساء كان زمانَ انتظار + صار زمان فراغ ووحشة، إنّه يصبح بعد قرار الشّاعر الطّارئ، زمانَ تغييرٍ وتعديل وفق منظور ما تمليه حالةُ الفراغ الحادثة.. والزّمن نفسه يخضع ههنا لعمليّة مَحْوٍ. لحظة مستقبليّة سريعة (بما فيها من عبث)، ينجزها الشّاعر تجِدّ في محو لحظة راهنة (بما فيها من ذعر)، ليُدخلها في طور الماضي والغياب، (بما فيه من ذكرى قريبة مؤلمة).

"بما يليقُ بخيبتي وغيابها"
: يتعلّق التّعديل بالذّات الخائبة في ظلّ غياب المرأة المنتظرة المخيِّبة أو المتسبّبة في الخيبة: هذا اقتران سببيّ بين الغياب والخيبة = سيكون أسلوب التّعديل عُدوليّا انزياحيّا يشي بنقيض ما تنداح فيه الذّات الباطنة من قلق وازدحام "بما يليق": تقترن يليق كفعل عاكس لحالة، غالبا ما يقترن بالمُواتي، بالملائم النفسيّ الطّبيعيّ الجماليّ الرّائق لما يخلق انسجاما - لا لما يخلق نشازا كما هو الحال ههنا - مع الموجود القائم الذي هو ههنا تخلّف وإخلاف فغياب.

الحدَثُ متَعَوَّدٌ عليه في حقيقته، "بسيط" لفرط تكراريّته، بارد بحكم إمكانيّة حدوثه: امرأة تتخلّف عن زيارة رجل (يبدو لها عاشقا وبها متيّما) أو تُخلف موعدها المختلف الباهظ في منظار منتظرها.. ما الجميل العميق الحارّ إذن في القصيدة؟

2- العلاقة مع المكان - الأشياء:

في انعقاد أواصر بين الشّاعر والأشياء ما يحيل على وجود ذلك الجميل الحارّ النّوعي:

مكوّنات الاحتفاء ولوازم الانسجام هي شموع – كهرباء – نبيذ - موسيقى: تلك عناصر تؤثّث المتعة المنتظرة بما تحيل عليه من أجواء الانسجام والتّناغم والتّفاعل الثّنائيّ. عادة العشّاق في التّعارف الأوّل أو في استئناف الفرح على نحو رومنسيّ حالم: السّؤال إلى أيّ درجة ينسجم الشّاعر مع أشياء المرأة في راهنيّتها الطّارئة ضمن أدائه وسلوكه في الفراغ؟

تؤدّي هذه الحركةَ لغويّاً ظاهرةُ التّقابل في الأفعال: فتتناظر الأفعال التالية ضدّيًّا: أطفأتُ نار / أشعلْت نور / شموعها هي / الكهرباء.. يسمح التّناظر الضدّيّ بعرض حالتيْن متقابلتيْن. والتّقابلُ هو ما يُرفِّعُ من مستوى فهم الوضع النفسيّ المضطرب عند الشّاعر.. "أطفأتُ نارَ شموعِها": من ذلك مثلا التّناظر بين أشعلتُ / أطفأت: بالإطفاء يتمّ ترتيبُ زمنِ المساء في المكان: حيث تنشأ جرأة من الشّاعر يندفع بموجبها إلى اقتحام ما ليس من شأنه لإنجاز فعل عبثيّ: اقتحام حالة الزّمن المصنوع، المهيّأ للمرأة في المساء النّوعيّ (وفق المسار الذي كان يُفترَضُ أن يكون نوعيًّا).. إنّ إطفاء الشّموع في المساء هو رغبة في الدخول الفوريّ إلى الدّجى، الولوج في الزّمن الدّامس أي إلى ضربٍ من العمى والقَطعِ مع المرئيّات، اندراجا في اللحظة المُغطشة.. هكذا يجري على نحو ماسوشيّ كسرُ إمكانية الزّمن الرّومنسي الذي كان مؤمّلا. يذكّرنا هذا بأغنية عبد الحليم حافظ: "طفيت الشمع رميت الورد يا حبيبي والغنوة الحلوة ملاها الدّمع يا حبيبي"..المشهد نفسه والحركة عينها تتواتر. وهو ما جعلنا نعُدُّه حدثا متكرّرا مع الإنسان العاشق في الزّمان والمكان، ونجده بسيطًا من حيث هذه السمة التّكراريّة التي فيه.. ولكنّه يظلّ مع ذلك حدثا عميقا من حيث طبيعة التّفاعل حسيّا وشعوريّا معه.. لا نغفل ههنا عن أن نشير إلى التّبادليّة اللفظيّة ما بين مستحقّات الدّوالّ، فقد أسند الشّاعر النّارَ للشّمع (في حين أنّ ناره خفيفة) وأسند النّور للكهرباء (في حين أنّ ضوءها أكثر توهّجا)، تتعلّق المسألة التّبادليّة ههنا في نظرنا بلعبة المُضاء والمعتم أي بلعبة المحو ذاتها: محو الشّمع بالكهرباء ومحو النّار بالنّور.. وكأنّ الشّاعر يلتمس لوحشته شكلا من أشكال التنبّه واليقظة بعد وقوعها في اللحظة الكثيفة المظلمة (الغياب).

"أشعلتُ نور الكهرباء"
: حين تحدث العودة ممّا هو طبيعيّ تقريبا إلى ما هو صناعيّ: من الشّمع (الضّوء الخافت المتمايل المترنّح ترنّحَ العاطفة إلى الكهرباء (حيث سطوع الضّوء مثل اليقين من الصّدم وحيث الحقيقة ترسُخ صفيقة ثابتة)، يكون الوعيُ بالفراغ والوحشة وتَمَثُّلِ الفوضى قائمًا بإمعانٍ جارح.

+ نلحظ حضور ضمير المتكلّم (أنا) عن ذات المرأة (هي)، تلفّظ الحاضر عن الغائبة، حيث يتمّ إسناد الأشياء إلى الذّات الأنثويّة: "شموعها – نبيذها": فالأشياء مسندة إليها، وكأنّ الأشياء هي بذاتها، هي دليلها عليها.

= بهذا الإسناد تكون الاحتفاليّة الشّاعريّة حينها في طور الاحتمال، إذ ثمّة نيابة قوليّة وقع عبرها تلفّظُ الشّاعر عن ذاته الماثلة وعن ذاتها الآفلة. وهذا ضربٌ من الإحالة على المُثبَت والمَمحوّ معا.. وما يكون المأمولُ الاحتماليُّ المرتقَبُ عندئذ سوى احتفاليّةٍ عاليةِ البهجة.. هذا ما يفسّر كذلك الانخراط في حالة الفوضى الجديدة التي يسمّيها الشّاعر جزافا -لانفعالٍ يائس- ترتيباً: والدليل النّصيّ "شربتُ... كسرتُه.. بدّلت.. قلتُ لن تأتي".

= هذه "لن" المتوّجة لتلفّظ الشّاعر والنافية لوقوع الفعل مستقبلا والمكرّرة لفظا في النصّ، تعكس وجهيْن جليّيْن: حالةَ يأس من المجيء وهو الوجه الأطغى، وحالةً ثانية هي احتمال ضئيل في المجيء وهي الوجه الأضعف الأضأل.

"شربتُ كأسَ نبيذِها وكسرتُهُ"
: يقع الشّاعر في ضرب من التّعويض، تعويض الغائبة بفعل (هو الشُّرب) كانت هي مَن سيأتيه في حال حضورها، فإذا الشّاعر ينوبها في تأديته إمعانا في الشّعور بالفراغ.. إنّه يُثبتُ لنفسه مرّة أخرى عبر زوج المحو / الإثبات، من خلال استبدال فعل (هي) بفعل (أنا)، انتقامًا منها لأنّها تغيب حقّا لأنّها غائبة فعلا. القرينة النصيّة الدّالّة "كسرتُه".. الكَسْر انفعال عاصف، إنّه هوَس الحضيض، إشراف على الجنون ومعاقرةٌ، لا للنّبيذ، بل للحزن الذي في فعل الاحتساء ذاتِه... فهل يكون هذا تجلّيا من تجلّيات الترتيب الذي أعلن عنه الشّاعر، أم أنّه لا يمثّل سوى مَحْو عبر ولوجه لعالم الفوضى الداخليّة الطّارئة والوقوف على تقلّباتها البعيدة؟!

تنعكس الفوضى الدّاخليّة الطّارئةُ كذلك في: استبدال نوع الموسيقى وخصوصيّة أنساقِها النّغميّة، وتبرهن تلك الحركة بدورها عن حالة استبدال ملائم للوضع النفسيّ الدّاخليّ المستجدّ: "بدّلتُ موسيقى الكمنجاتِ السريعةِ بالأغاني الفارسية.." لقائل أن يقول ما الجدوى من استبدال موسيقى بأخرى؟ ولمتمعّن أن يجيب أنّ نوع الموسيقى بذاته يختلف حتما وفق المناخ النفسيّ وطور الأهبة التي تتكيّف بها حالة المؤمِّل في الزّيارة والاستقبال، ثمّ تتكيّف في مرحلة ثانية معها حالته اليقينيّة من حدث الغياب.. أمّا الطّورُ الأوّل فاقتضى "كمنجات سريعة" بأنغامٍ تعكس الاستعجال واللّهفةَ والاندفاعيّة في احتضان المشهد المبهج، وفي تخيّل عظمة الإطار الحاضن للقاء. المستبدل هو كمنجات سريعة: ورد في تعريف الكمان ما يلي:

"الكمان أرقى وأنبل الآلات الوترية، وهو الأكثر تعبيراً بينها كلها... عدّت هذه الآلة من أكثر الآلات الوترية تعبيراً لأنّ بإمكانها تجسيد كلّ التعابير الإنسانية ويرى البعض أنها تعبر عن أرقّ المشاعر والأحاسيس وأقوى الانفعالات، وذلك بسبب تعدّد تقنيات العزف عليها، مما يعطيها قوة تعبير خارقة". (كمان – المعرفة)

هكذا تكون الموسيقى المستبدلة قرينةً بالضّرورة بمقام اللّهفة والهَفْوِ والإقبال، حيث يتوثّب القلب لجمالِ اللحظة وحيث يكون من المتوقّع أن يتجسّد ذلك الجمال في شكل دفقاتٍ ونبضات، تتدافع في تعالٍ وتخافُضٍ مع مُضيّ زمن الانتظار.. نتحدّث ههنا عن توق الرّوح الرّاقصةِ جذلاً وعن حلمها الآنيّ باللّقاء.. قد ينعقد على الحلم باللقاء ذاك ركامٌ من الأمنيات والوعود البهيجة، ولو على مستوى شعوريّ محض.. فهنالك يحدث الافتتان الأوليّ البكرُ، وتكون الموسيقى عندئذ هي التّرجمانَ الوحيد القادر في الأثناء أن يختزل الحسَّ ويقتنصَ لهبَ العالم ويجترح المتعةَ المنشودة.

المستبدل به / الموسيقى الفارسيّة: وقيل في الموسيقى الفارسيّة أنّها تنطوي على روح الشرق. وأنّها تعبّر عن عمق الشّجا والشجن والحنين الدّاخليّ الدّافئ، انظر مثلا آلة سه تار وما تفرزه من أنغام شجيّة بذبذباتها الرّفيعة ذات النّقر الدّقيق.. ولنا في ذلك مثال آخر كمانجه للعازف حميد رضا آفريده.. و ما علينا حينئذ، كيما نتمثّل البرهةَ في ثقلِها الحسّيّ، سوى أن نمسك بالسّمات المائزة للكمان ونستدرّ منه خصائصَه النوعيّة، بما يُتيحه من القوّة التّعبيريّة في تصوير رقّة المشاعر والانفعالات وبما يسمح به من تعدّدٍ في تقنيات العزف. إلخ... فنفهم بجلاء تلك الرّوحَ الشجيّة الشّجِنة..

أو لو أنّنا نستمع مثلا إلى أنغام الرّباب الفارسيّ، لسوف نقف في إرهاف بليغ على ضروب من الرجّات ذات السرّ الخفيّ الحادّ، ما يجعلها مبعثا على خلق اهتزازاتٍ جدِّ رفيعة كأنّما هي النّقر على الرّوح أو هي الضّرب على شغاف قلب..

لقد أجملَ الشاعرُ في عبارته الوجيزة هذا المعنى إحالةً دون إيضاح وإلماما دون تفصيل.. وعلى المتلقّي أن يحيط بما وجّهَه باتّجاهه من معنى مختزل مدسوس في عبارةٍ ظاهرُها البساطة والوضوح وخافيها العمقُ والروّاغ.. إنّه في وهلة الانتقال من المستبدل إلى المستبدل به في معرض الحديث عن الموسيقى، تتحدّد خطورة اللحظة النفسيّة التي تمَّ الإيماءُ إليها، وفي تلك اللّحظة عينها ينبسط هولُ الدّلالة: ذلك هو الشّعْريُّ في براعة اقتصادِه اللغويّ وكثافة إيحائيّاته العالية، حيث يحلُّ الإلماحُ اللّطيف مَحلّ الإيضاح الثّقيل.. وههنا فحسب يتسنّى لنا أن نمسك بالموْجة النفسيّة الدّافقة ونرصد هُنيهةَ تحوّلها في مسافاتها الدّاخليّة ومساراتها الخافية مُدركين حجمَها وكثافتها ومحطّاتِ عبورها بدقّة فريدة.. وذلك هو ما توحي به العبارةُ المقتصَدَة السهلة الممتنعة.

"قلت: لن تأتي"
: ثمّ تفد اللاّزمة المُتوِّجة للمقطع الأوّل / الحركة الشعريّة الأولى، لتزكّي الإحساسَ باليقين من عدم المجيء. وهو إذّاك إثباتٌ ليقينٍ موازٍ بحلول ذات الشّاعر في الفراغ الرّوحيّ الجائح، وانصياعه لليأس والظّلمة التي لا يستطيع ضوءُ الكهرباء حجبَها وإزالتَها ومحْوَها..

كلّ تلك الحركات التي ضبطنا مجتمعةً، تصوّر السّلوك العبثيّ الفوضويّ من داخل الفراغ نفسه. وتتمظهر هذه الحركات لغويّا في شكل:

+ حضور بارز لضمير المتكلّم (عن المتلفّظ نفسه / ذات الشّاعر): وبوساطتها تتّضح صلة الشّاعر بأشيائه وتعالقه معها ضمن الاستمرار في السلوك العبثيّ أو الأداء الهوسيّ إزاء الفراغ:

+ دفقة تقابل جديدة في الأفعال: "أنضو / أرتدي، أمشي / أجلس، أعددت / فتحت": ما تواتُرُ تلك الأفعال إلاّ تعبير عن رغبة حركيّة في ملء الفراغات في الأمكنة والنفس.. أعسَرُ ما يقع فيه الفرد الفريد هو مَطبّ مَلء الفراغات الفاغرة.. لذلك توالَدَ الفعلُ ههنا أفعالاً في صيغة المضارع بما ينمّ عن الحلول الآنيّ في الحاضر، وفق ما يقتضيه هذا الحاضر من مستحقّات الملء الفعليّ لفراغاته.. نسأل لا غير، هل يمكن لهذه الأفعال والحركات التي يأتيها الشّاعر ههنا أن تعكس كفاءتَه في ترتيب العالم وإعادة تنضيد الأشياء فيه؟ وإلى أيّ درجة مرّة أخرى، تعبّر قرائن الارتياح عن الارتياح الفعليّ؟ هذا هو محورُ النصّ الدَّلاليُّ: لنعالج هذا الحركة من خلال هذا الفعل مثلا: "أنضو ربطةَ العنقِ الأنيقةَ.. هكذا أرتاح أكثر": فعل النّضو هو في ظاهر إتيانِه علامةُ ارتياح من اختناق. أمّا حقيقته فتحمل معنى اليأس من المجيء، وما يتولّد عن ذلك من ضجر وضيق وازدحام.. وهذه المعاني لا تعبّر عن ارتياح فعليّ.. هكذا تكون الأشياء والحالات بعكس ما يحاول الشاعرُ في حركاته الإعلانَ عنه.

"أرتدى بيجامةً زرقاءَ"
= كذلك الشّأن بالنسبة إلى حركة ارتداء البيجامة (التي هي حركة مَحو لعلامة بهجة بزيّ سابق إلى علامة انكسار بزيٍّ باهت)، فهو في ظاهره علامة نشدان للرّاحة، ولكن إذا ما كان مرفوقا أو مقترنا بحالةِ وحدة، فسيصبح من فوره علامةَ وحشةٍ يائسة من احتمال المجيء.. وللّون ههنا دلالته، أيكون علامة على أنّ المرأة المنتظرة هي ريتا (حبيبة الشّاعر اليهوديّة)؟ أيكون انتماء ريتا إلى زرقة الرّمز واللّون في علم بلادها؟ أم أنّ اللّون محض صدفة عارضة؟. ذلك ما تخمّن به إحدى وجوه القراءة، وما لا تحسمه.

"أمشي حافيا لو شئتُ"
= من جهة أولى قد لا يستقيم المشيُ بالضّرورة مع معنى الارتخاء.. ثمّ الحفاءُ في المشي يُحيل من فوره على حفاءٍ آخرَ في الرّوح، باعتبار أنّ الحفاء ضربٌ من العري، والعريُ ضربٌ من التجرّد، والتّجرّد أن يشعر المرء في لحظة ما بأنّه وحيد أعزل.. والشّاعر في لحظته تلك وحيد أعزل وشعوره بذلك آخذ في التركّز.. ومن جهة ثانية، لا يقترن المشيُ مع احتمال تنفيذه بشرطيّته المستحيلة (لو شئتُ..) إذن إعلان الشّاعر عن تلك الحركة هي من باب التقاط مشهد عبثيّ له. والمشي من جهة ثالثة لغائيّة مقصودة.

"أجلس بارتخاءِ القرفصاء على أريكتها!!"
= و القرفصاء المرتخية مشهد مليء بالكآبة.. والارتخاء تلاش ماديّ ظاهر يعكس تلاشيًا نفسيّا خافيًا.. والارتخاء بغاية تحسّس الشّاعر لحيّز الفراغ الذي كانت ستملؤه المرأة بظهورها وحضورها هو أحد علامات المَحو التي يريدها الشّاعر بإثبات نقيضها من الفعل.. إنّه مَحوٌ لحيّزها بحيّزه هو: يملأ الشّاعر المكانَ مكانَها ليخفّف وطأة الغيابِ غيابِها.

والمقصدُ الموصوف بثوريّة انهياره، أي بما فيه من ثوريّةٍ منكسرة هو: "فأنساها .. وأنسى كلَّ أشياءِ الغياب" = يوهمنا الشّاعر خَتْلا بأنّ ذلك فعلُ نسيان. وما هو بفعل نسيان! إن هو إلاّ إثباتٌ وترسيخ لحضور غائب عبر تقمّص الحضور.. منتهى التّفاني التّدريجيّ في البرهة الحزينة.. يسبق هذا الارتخاءُ والتّلاشي بوصفه لحظة عبثيّةً، لحظةً عبثيّة أخرى هي: "أعدتُ ما أعددت من أدواتِ حفلتِنا إلى أدراجها": هل إعادة الأشياء للأدراج دليل ارتخاء وارتياح؟ أم هي ترتيب لذاتِ ترتيب؟ إنّما هو في اعتقادنا حركة إفراغ بعد فراغ، يتمّ من خلاله التخلّص من أدوات الفرح الذي كان مرجوّا، عبر مَحو القرائن وإخفائها.. أشبه ما يكون هو الأمر بجُرم مرتَكَبٍ (وهو في الحقيقة جرمٌ نوعيّ يُقترَف في حقّ الذات المتلهّفة عشقًا). وعلى الشّاعر حينها إخفاء معالم الهزيمة والانكسار والخيبة.

"وفتحتُ كلَّ نوافذي وستائري"
= الفتح في ظاهره نشدان للهواء والضّوء، وهو في الآن نفسه علامة ازدحام وإتراع بالاختناق.. لا شكّ مرّ من وقت المساء كثيره (أمام الليلِ)، حينها يصطدم الشّاعر بالظّلام الخارجيّ.. الشّاعر في ظلمات - ظلمتيْن أقلّها، ظلمة عالمه الدّاخليّ وظلمة عالمه الخارجيّ.. لا مناص من الوحشة المظلمة.. الوحشة بأصلها مظلمة، فكيف إذا اختلطت وحشتان؟!

"لا سرَّ في جسدي أمام الليلِ إلّا ما انتظرتُ"
= يجري في هذا المقام انتفاءُ السرّ - باستثناء سرّ الانتظار - حيث الجسد كلّه في الأثناء سرٌّ وحيد متراكمٌ، كتلة شوق منتظرة، وانقياد نهائيّ لحلم مترع بالحنين - ذلك هو انتفاء السرّ وانطفاؤه عن الجسد و فيه، بموجب انتظار خاسر.

= لا يكون الانتظار خاسرا إلاّ في حاليْن: مجيء مخيّب أو انعدام مجيء كان يُؤْمَل ألاّ يكون مخيِّبا.. إذن المجيء المخيّب والغياب سيان: كلاهما خيْبة ولكليهما أثرٌ سحيق.. يقع الشّاعر في الحال الثانية حيث يكون الخسران نتاجا طبيعيّا لخيبة الانتظار والرّجاء.. وما الخسران ههنا؟ وهل يمكن أن يكون ضمن ترتيبات المساء؟ أوَ لا يُدرج إلاّ في خانة الفوضى والعبث؟

"وما خسرتُ.."
= من يكون الخاسرُ في مقام كهذا؟ هما خاسران: هو خاسر بغيابها أيّما خسر.. وخاسرة هيَ بدورها بحجم عطائه الذي كشفه خسرانُه أكثر ربّما ممّا كان سيكشفه ظفرُه بلقائها لو حدَث.. أمّا الحديث عن خسارتها هي فعابر مقتضَبٌ.. وأمّا اقتضابُه فمكثّف مختزلٌ وثقيل.

"سخرتُ من هوسي بتنظيف الهواءِ لأجلها"
= ينبني هذا السّطر على المجانسة ما بين خسرت وسخرت. وتُصوّر المجانسة حجمَ الخسران وحجم الّسخرية.. وما السّخرية بذاتها سوى إعلان عن خسارة ما.. إنّها ترجمان الإيماء أو إشارة اللّفظ إلى ثقل وطأة الخسران في النّفس والرّوح: السخرية من هوس الذّات بتنظيف الهواء.. والهوَسُ يعكس ولعا مفرطا في إنجاز الشّيء.. والسّخرية بحدّ ذاتها محاولة في المحْو الجادّ لقول أو فعل عابث.. سنحاول التوقّف عند تشخيص حالات الهوس الاكتئابيّ النفسيّ عند الشّاعر في مرحلة الشّعور بالغياب:

"يُفهم الهوسُ بوصفه حالة من الانفعال أو ارتفاع المزاج بشكل غير طبيعي، وبالإثارة.. ويرتبط الهوس في معظم الأحيان مع الاضطراب الثنائيّ القطب، حيث نوبات من الهوس قد تتناوب مع نوبات من الاكتئاب الشديد" [ويكيبيدبا]. وله أعراض أخرى بليغة أهمّها السّخرية من الذّات، ويصحبها ندم، يأس، حزن وشعور بالذّنب والخطأ.

انتقل الشّاعر في مرحلة الخسران هذه إلى ما يسمّيه التحليل النفسيّ بمرحلتيْ الهوس الاكتئابيّ، وهما مرحلة القمّة ومرحلة الحضيض: أمّا مرحلة القمّة - قمّة الهوس بالمجيء المنتظر فتتجلّى في النصّ في نفس مرحلة الحضيض، أو بمعنى أقرب تعكس مرحلةُ الحضيض مرحلةَ القمّة التي تتضمّنها.. فإذا كان الشّاعر قد صوّر مرحلة الحضيض بعبارات من قبيل "سخرُت من هَوَسي بتنظيف الهواء عطّرتُهُ.." فهو في الآن نفسه يرسم الحاليْن معا - حالةَ الحضيض وحالةَ القمّة (التي هي إحساس بالنّشوة والفرح الغامر - التّفاؤل والانتظار والتهيّؤ، وكذلك تعطير الهواء وتنضيد زهرة الأوركيد وغير ذلك ممّا يقوله النصّ في أحد تجلّياته) = حالة القمّة هي إذن انغماس وانعكاس في حالة الحضيض، هي ذلك التّحوّل الجذريّ من هوس اللّهفة والانتظار إلى هوس استبطان الغياب. أليس الاستبطان ارتدادا داخليّا لمحاولة فهمِ ما يجري؟ أوَ ليس الارتدادُ لواذا بالدّاخل من الخارج، وهو بذلك مسعى تجاوز ومحوٍ؟

"عطّرتُه برذاذِ ماءِ الوردِ والليمون!!"
= لماذا تعطير الهواء؟ ليتيح خلق فضاء جماليّ فاغم يليق بحضرة الزّائرة.. يدخل هذا ضمن الجهوزيّة النفسيّة لحركة مزدوجة: منح وتقبّل معايير جماليّة فريدة على المكان الذي سوف يستقبل الشّخصَ ويوحّد الكائنيْن في زمانهما ومكانهما.. إنّما قيمة المكان في غير المكان بذاته بل في من يحلّ فيه. و كذلك الزّمان.

"لن تأتِي.."
= هذه هي اللاّزمة الأخيرة، تكرّرت في القصيدة ثلاث مرّات، وصارت بتكرّرها ذاك متحكّمةً في عدد المقاطع من جهة، وفي نسق التّصاعد الوتيريّ لحالة الهوس الشّعوري الذي هو محرار الإبداع في النصّ من جهة ثانية.. لنسمِّها عندئذ لازمةَ الخسران أو العلامةَ الموسيقيّة النّفسيّة الدّالّة على خلل اللحظة: حيث القرار عند حقيقةٍ غيرِ داحضة، هي: إخلاف بموعدٍ - تغيّب الزّائرة عن زيارة نوعيّة مغايرة.

ما تولّد عن السّخرية: هو سلوك مُضادّ، هوس مُضادّ للهوس الأوّل: هُو هَوس يمحو أثرَ هوسِ الغياب: تلك لحظة شريدة في منتهى صوفيّتها من الألم: هي حالة تتعذّر حقّا عن التّفسير وتندرج في ما هو فوق شعوريّ وما هو فوق شعريّ، يُخضعها الشّاعر إلى كلمات تُترجِمُ حركاتٍ بسيطةً في ظاهرها السطحيِّ بليغةً في جوهرها العميق: "سأنقل زهرة الأوركيد" فإذا بالشّاعر كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا..

= في تشويش الشّاعرِ مؤثّثاتِ الاحتفاء ضربٌ للصّورة الجماليّة التي صنعتها أوقات التّهيّؤ والانتظار.. نتحدّث ههنا عن كسر أنظمة الجمال بأبسط الحركات في المكان: "من جهة اليمين إلى جهة اليسار": إذ الحركة عابثة لا غير. لكن إلى أيّ درجة هي كفيلة بإطفاء لحظة اليأس والحزن والنّدم؟ إلى أيّ حدّ تمثّل مَحْوًا؟ هذا هو السرّ.. وينقشع السرُّ بتعليل الشّاعر فعل تحويل الزّهرة: "لكي أعاقبَها على نسيانِها"، تتحوّل الحركة العابثة العفويّة إلى تعرية مونولوج الباطن، وتضحي فعل تبرير حجاجيّ للعبث الرّاهن: إنّه يُعاقب الغائبة في غيابها عن غيابها (نسيانها موعدَ أن تجيء)، بواسطة الأشياء تعديلاً عبثيّا لها في المكان لا غير.

"غطّيتُ مرآة الجدارِ بمعطفٍ كي لا أرى إشعاعَ صورتِها وأندم"
= وكذلك يجري سائر ما يأتيه الشّاعر من أفعال وأقوال: أمّا الحركات والأفعال: فتلوح في: "غطّيت مرآة الجدار": هو فعل عبثيٌّ مُعلّل: "كي لا أرى إشعاع صورتها وأندم" = يُطفئ الشّاعر مرايا الانعكاس - انعكاسِ صورة المرأة المنتظرة، وانعكاسِ صورته هوَ وهْو يُصاب بإشعاع صورتها هي.. لا يمكن للشّاعر أن يراها من غير أن يتمرْأى هو بدوره في الصّورة، في الانعكاس، في المرآة.. للمرآة صورتان: حضور يشحُبُ ويمّحي بالغياب، وغياب مشعّ يُراد له أن يُنْسى ويُمْحى..

= تلك إحدى أشكال التصرّف العُدوانيّ المُخفّف المحكوم بالاتّزان، لأنّه في مرحلة استيعاب لحظة الغياب الثقيل..

ومن الأفعال كذلك ما ورد في السطر الشعريّ رقم 28 إلى 41 "أكلت – قرأت – كتبت"
= أمّا الأكل ولا سيّما في حال الوقوف "واقفا"، فهو حينها أبرز تعبير عن القلق العبثيّ والفوضى الغامرة، حيث يتحوّل إلى مجرّد حركة عرَضيّة يروم من خلالها صاحبُها أن يُعوّض لحظةَ فقْدٍ بلحظةٍ تتوهّمُ الأنسَ والامتلاءَ. وفي ذلك إحالة فوريّة على فساد مناخ الاحتفاليّة التي كانت لِتَحدُثَ في حال مجيء الزّائرة.

وأمّا قرأت: "وقرأتُ فصلاً من كتابٍ مدرسيّ عن كواكبنا البعيدة"، فيمثّل استيعابا ذهنيّا في تجلّياته البسيطة "مدرسيّ" لحدوث أفول عظيم "كواكبنا البعيدة": كذلك تضطلع العبارة البسيطة في ظاهرها بمهمّة نقلِ أصلِ الصّورة العظيمة من الألم. أوَ ليست الحبيبةُ بغيابها كوكبا بعيدا بصدد الأفول أو أفل؟ هكذا يُعيدنا كلّ فعل في النصّ يأتيه الشّاعرُ إلى أصل الحكاية الأليمة - التخلّف عن موعد غياب.. الغياب فقْدٌ..

وأمّا كتبتُ "وكتبتُ كي أنسى إساءَتها قصيدة.. هذي القصيدة": فيمثّل فعلَ الأفعال كلّها. إنّه خلاصة النّسيان كما يوهمنا به الشّاعر: نسيان الإساءة الكبرى التي هي غيابها، بيد أنّه في الحقيقة توثيق للحدث وترسيخ له شعريًّا، فظاهر القول محوٌ وباطنه إثباتٌ. حيث يكون الشعر ههنا صادرا عن فعل ذاتيّ إراديّ ليس مقتبسا ولا مسروقا (كما هو في حال تزيين إطار اللقاء والغزل). وإنّما هو إنتاج شخصيّ نابع من لحظة استيعاب الذّات وهي تتمثّل بعمقٍ غيابَ الآخر - الأنثى بواسطة حضور الشعريّ الذي هو ذات الشّاعر وهي تحضر شِعريّا. وهذا هو الحضورُ الفعليّ الذي يختزل كاملَ تجربة الشّاعر ومشهدَ غياب المرأة المنتظرة وأثرَ الغياب في الشّعور والوجدان وأهمّ من ذلك جميعه التجربةَ الشعريّة بصدقيّتها.

أمّا من حيث الأقوال ففيما يردّده الشّاعر في نفسه لنفسه: "قلتُ أنسَى ما اقتبستُ لها من الغزل القديم": الخطاب الخفيّ الذي يلفظه الشّاعر حوارا باطنيّا يفسّر به فعلَ النّسيان الذي هو محاولة في المحو: حضر الشعر في هذا الموضع بوظائف ثلاث:

وظيفة عرضيّة - الغزل في ارتباطه بحدث الانتظار، وهو (الغزل) أداةُ الشّاعر في التّقرّب والتّشبيب والتودّد، تأثيثا لفضاء القول الجميل في حال المجيء.

وظيفة النسيان - نسيان الشعر المحفوظ المقتبس أو المسروق، وهي وظيفة تعكس انتقاء نصّ ملائم لفتنة الحضور المتخيّل. وكأنّما ينسى الشّاعر لحين أنّه شاعر يستطيع أن يقدّم نصّا من عنده، فإذا هو يتخيّر من خارج حدوده الشعريّة ما به يكون الحضورُ حضورا نوعيّا عبر نصّ آخر من خارجه مقتبسٍ. و كأنّه في تلك اللحظة يمحو عن نفسه كفاءتَها الشعريّةَ بما يمكن أن تجود به قريحتُه من قولٍ يرتقي إلى حدث المجيء ويحتفي بالأنثى القادمة على نحوٍ منقوص.

وترد وظيفة النّسيان هذه معلّلةً بدورها "لأنها لا تستحقُّ قصيدةً حتى ولو مسروقةً": فهي تعلّل المحوَ والنسيانَ بعدم استحقاق المتخلّفة عن موعدها غزلا منتقًى حتّى ولو مقتبسًا.. لعلّ الشّاعرَ يُرجئ نصّه الخاصّ إلى ختام الحكاية وهو ما سيكون تتويجا لسائر متعلّقات الحدث ولكافّة المشاعر التي اختزلتها الحكاية في لفظتيْن "كتبتُ قصيدة".

= الشّعر هو الأدوم الأبقى، بما أنّه غاسل الآثام والخطايا.

وتنغلق محاولة النسيان ومجاهدة المحو بفعل "نسيت". ويبدو لنا فعلا كاذبا يزيّف الحقيقة أو يحاول أن يتجاوزها بمرارة، إذ لا يمكن بمثل تلك السرعة أن يُنسى نصٌّ غزليّ مُعَدّ للحظة حبّ فريدة.. وبمخادعة الفعل للقارئ يتحوّل فورا إلى محاولة إثبات وتثبيت في ما هو جوهريّ أو دائم.

ما يستوقفنا في الختام هو الوظيفة الإطاريّة للشعر في هذا النصّ: والتي تتجلّى في احتضان الشّعر لسائر فحوى الحكاية، وقد تكفّل قُفل القصيدة بالإعلان عن ذلك "هذي القصيدة": لقد بدأ الشاعر حفلته الخائبة إنسانا عاشقا متلهّفا منتظرا، يتمثّل الشعرَ محفوظا أعدّه لإنتاج لحظةٍ من غزلٍ باهظة، ومن حبّ مختلف فريد، ولكنّه يُقلِعُ عن ذلك الشّعر وقد خيّبته صديقتُه / حبيبته (أو أيّة امرأة يُفتَرَضُ أن تكون موجودة في لحظة زمانيّة مخصوصة وفي فضاء جماليّ معيّن، ووفق معايير عاطفيّة مغايرة) تخلّفت عن زيارته وأخلفت وعدها وأتلفت موعدها وشطّ مزارها.. هكذا يلفي الشّاعر نفسه في مواجهة عالم من الخراب في النّفس والمكان، فيُهدر المحفوظَ ويمحوه رائما ترتيبَ لحظةِ وجودٍ جديدةً يُعوّض بها فَقده ويُعبّئ بها فراغه، لينتهي في الختام شاعرا منتجا للشّعر، يقُدّ شعرَه الخاصّ لغرض مختلف هذه المرّة – لاستبدال حالة بحالة ولنسيان الإساءة الجارحة (إتلاف الموعد وإهمال عاشق وإلغاؤه).. وهكذا نشأت الحكايةُ بين محْو لنصّ (أحوالا وأقوالا وأفعالا) وخلْقِ نصّ (هو كلّ شيء)...

يُذكّرنا النصّ في لحظاته النفسيّة بنصّ نزار قبّاني "طوق الياسمين" في لحظاته النفسيّة كذلك، رغم اختلاف الإطار والمقام وتفاوت التّعبير عن عمق الحالة.. فكلتاهما - حبيبة الشّاعر في هذا النصّ أو حبيبة نزار في ذلك النصّ، مخيّبة لحلم عاشق كبير: إذا الأولى أهملت رمزا " ذاك طوق الياسمين". والثّانية أهملت رمزيّة كليّةً بغيابها الكلّيّ: "لن تأتي.."




الآراء (0)