محطّاتُ الحداثة وجمَاليّات الصعلكة في قصيدة النثر المُعاصرة - قراءة في (قطار المناشي) لمحمود الكرشابيّ - عبد النبي عبادي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2022


179



محطّاتُ الحداثة وجمَاليّات الصعلكة في قصيدة النثر المُعاصرة - قراءة في (قطار المناشي) لمحمود الكرشابيّ



لا يغرّنّك تقلّبُ الشّعراء بين أشكال القصيدة في زماننا الحاليّ، وذلك لأن الشّعرَ كالماءِ الذي يتسرّب في يُسرٍ- ولو بكميات قليلة- فيُفتّت أشد الصخور صلابةٍ. لذلك فأنا لستُ مع التّشتّت والرّكض وراء كلّ مذهبٍ والرّقص على السلالم وهو ما لا يُقيم مُنجزا ولا يُحقق خبرة إبداعيّة أو يُفرزُ نصا يُمكنُ وسمه بـ"الأصالة".

إن الحديث عن قصيدة النثر المصريّة المُعاصرة يبدو لي الآن ضرورة إبداعية ونقديّة مُزدوجة الأهمية لأنّه يُحقق هدفين كبيرين هُما:

أولا: مُراجعة ما كُتِبَ ونُشِر وتحليله تحليلا واعيا وموضوعيا وعلميّا يسمحُ باستشراف حقيقي لما قد يكون عليه موقف قصيدة النثر مُستقبلاً.
وقد أعني أن يكون ذلك التحليل بغرض إصدار أحكام قِيمَة لها من طبيعة الفرز والتجنيب أكثر ما لها من الإقصاء والتّغافل المبدئي الساذج. ولا أرى في ذلك تعارضا مع فكرة أن الإبداع يستعصي على التنميط والقولبة والتعليب، إذ أن هُناك شروطا عامة في الإبداع ولا يُمكنُ أن نّدعي طوال الوقت بأن الزّمن كفيل بفرز الإبداع واستبعاد الرديء منه فالزّمنُ يتراكم تلقائيا إلى أن يشاء خالق الكون لكنّ المعرفة الإبداعية والوعي النّقدي وفتح نوافذ التلقّي لا يُمكن أن يتم بشكل مؤثر في غياب القصديّة والتعمّد! لا يمكن أن يتم ونحن أسرى منصّات التّواصل الاجتماعي Social Media وأسرى المهرجانات والمؤتمرات والجوائز غير الجادة وغير المُجدية إبداعيا إلا قليلاً. وما زلتُ أؤكّدُ أنني أتعامل مع قصيدة النثر- كمُتلق – بحذر وحيطة وتحفظ لا ينطوون على "رفض" لها ولكن إيمانا بخطورة وفداحة الإثم والخطيئة التي ترتكبها قصيدة النثر في تبنّي كل لُقطاء الإبداع ومنحهم حق اللّجوء! وبعد ما يزيد عن الأربعة عقود من ميلاد قصيدة النثر العربية لم يعُد مقبولا أن تظلّ ساحةً مفتوحة على الدّوام لاختبارات الإجادة والأصالة لأن ذلك عمِلَ عملا سلبيا ضدّ قصيدة النثر طوال الفترة الماضية، ما بالُك لو أضفنا إلى ذلك الإحجام النّقدي الحقيقي عن "قصيدة النّثر" بُحجج وتوّهمات كثيرة غير صادقة.

ثانيا: تبدو الحاجة إلى تجاوز "سوزان برنار" عظيمة ومُلحّة، وأعني هُنا كتابها المهم-آنذاك وطوال الفترة الماضية- "قصيدة النّثر من بودلير حتّى وقتنا المُعاصر". وقد أعني بهذا "التجاوز" إعادة قراءة "برنار" وفق المُدخلات الجديدة ووفق التّاريخ الذي اكتسبته قصيدة النثر بمرور الزمن وليس "بالقصد الإبداعي" الممنهج حتّى نستطيع أن نضبط ساعاتنا من جديد على "ميقات قصيدة النّثر". لقد أنتج العرب بحوثا وكتُبا لا بأس بها في ذلك المجال، لكنّ اعتماد "برنار" كمرجع رئيس عند الرد على النقد الذي قد يوجه من حين لآخر "لمشروعية قصيدة النثر" أصبح أمرا يدعو للشفقة ويبعثُ على السخرية حتّى وإن اعتبر الشّاعر والمُترجم رفعت سلاّم الكتاب -في ترجمته العربيّة- "المهديّ المُنتظر". (1)

أمّا المُقاربة التي بين أيدينا الآن فلا هي تسعى إلى تفنيد النّقد – ولا أُسميه "اتّهامات" كما يحلو لكتّاب قصيدة النثر تسمية النقد الذي يوجه لنصوصهم- ولا هي مشغولةٌ بالمطحنة الدائرة حول جدارة "قصيدة النثر" بقضايا العصر وتجاوز "القصيدة الخليلية" و"قصيدة التّفعيلة" باعتبارهما موروثا لابد من الإجهاز عليه بسيف "الحداثة"! وقد وصلَ الأمرُ بالشّاعر والمفكر أشرف البولاقي إلى القول : "إن لقصيدة الخليل آثارًا نفسية وعقلية، قد تظل ضامرةً أو مستتِرة في نفوس متعاطيها زمنًا طويلا، لكنها في حالات معيّنة، يمكن أن تتطور وتتفاقم، لِتدفع بأصحابها إلى عيادات الطب النفسي ولا ينجو منها – مِمن يتعاطاها – إلا المثقفون الذين يمتلِكون وعيًا حادًا بفكرة الكتابة، وفكرة الشعر، وهُم قليل!" (2)

لكنّ المُقاربة التي أسوقُها تحاولُ أن تُقدّم إناءَ ضوء فوق مائدة الشعر لمجموعة شعرية لواحدٍ من كتّاب قصيدة النثر المصريّة المُجيدين وهو الشاعر الأربعينيّ محمود الكرشابيّ. وقد قلتُ عنهُ وعن قصيدة النثر من قبل: (3)

"إن الاتّهامَ التّاريخي الذي وُجِّهَ وما زالَ يوجّه لقصيدة النّثر هو أنّها سَمَحت للأدعياء بكتابة ما يكتبون وتجنيسه على أنّه الشّعر النثري أو القصيدة النثرية، بالطّبع هُناك من أقنعونا بموهبتهم في قصيدة النّثر وأدخلوا البهجة في قلوبنا بثقتهم المطمئنّة في نصوصهم حتّى وإن بالغوا وأمعنوا في التنكّر للقصيدة الخليليّة. يقول الشاعر محمود الكرشابي:

يظنُّ بكَ البُلهُ
أنّكَ لم تقرأ الخليل بن أحمد
آهٍ لو كانوا بُلها
بالقدر الذي يُغري غروري بالإنزلاق
لقُلتُ لهم:
ومن هذا الخليل بن أحمد !

إن مثل هذه النّصوص المؤدلجة تماما تعكسُ رهانا كبيرا على قصيدة النثر لدى كتّابها. والكرشابي لم ينفِ في قوله السابق قراءته للخليل بن أحمد؛ ما يعني أنّه غير مُنبَتّ الصلة بالجذر الشعري العربيّ إلا أن تساؤله الساخر الأخير يعكسُ نيّة قويّة لتثوير القصيدة وتجاوز موروثها بينما قد يفهمه البعضُ على أنّه تنكّر للموروث الإبداعي الشعري. وفي موضع آخر يجيءُ الكرشابي مؤكدا ثورته على القديم في الشعر والنظرية فيقول:

استصرخ يا ولدي مملكة الموتى
والعن آلاف الشعراء الأفاقين
ودعني أمسك بولي
شُحا فوق (الطبقات)
فلا شيء سواك يستأهل
أن نقرأه كل صباح.

لكن كثيرين آخرين أفسدوا هذه البهجة بنصوصهم المترهلة والتي تتسوّلُ لُغة القصّة في ثوب الشّعر وتنكرُ ثوبَ القصّة في لُغةِ الشّعر، ولا ننكرُ- مُطلقا- أن السّرد والشّعر يتداخلان كثيرا، فالسّرد تقنية في الشّعر، وتشعير السرد أمرٌ بليغ، لكن خصائص كل واحدٍ منهما تظلّ متميّزة وواضحة وحاضرة في مساحات التلقّي والتّأويل، بينما في النّصوص (الشعرية النثريّة) الرديئة تضيقُ مساحات التلقّي؛ أو نحتاجُ إلى شاشاتٍ أخرى نستقبلُ من خلالها تلك النّصوص غير شاشة الشّعر."

على مقربة من المفاهيم الثلاثة: سأسعى في السطور القليلة القادمة لتقديم التعريف الإجرائي الخاص بكل مفهوم من المفاهيم الثلاثة التي تضمنّها عنوان المُقاربة النقديّة بإيجاز ووضوح ودون إيغالٍ في التنظير (حتّى لا يُرهقَنا البحثُ بعيدا عن النص الذي نحنُ بصدده).

1- الحداثة "الشعريّة":

الحداثة ليست مفهوما يقتصرُ على الإبداع المكتوب ولكنّها تُعدُّ تيّارا واسعا يواجه الواقع الـمُعاصر المعيش في كل جوانبه الاجتماعية والسياسيّة والاقتصاديّة وغيرها. وتفرضُ "الحداثةُ" شرطا رئيساً في النّصوص أو البنى والنظريّات أو الأفكار والرؤى التي تُريدُ الانتساب إليها وهو تجاوز كل القوالب والتنميطات و ما يُسمّى "الثّوابت" التي قد تفرضُ سُلطة ما على العقل. وبعيدا عمّا نستطيعُ توجيهه لذلك الكلام من نقدٍ ونقضٍ في كثيرٍ من جوانبهِ، نحنُ بحاجة للتّوقف قليلا أمام "الحداثة الشعريّة" التي تناولتها مقالات ودراسات ومقاربات كثيرة عربيّة بعد الأجنبيّة التي تناولتها وهضمتها وتجاوزتها. إن المُتبصّر فيما كُتب في الحداثة الإبداعيّة يجدُ أن الحداثة -في الإبداع الكِتابيّ مثلا– ترتكزُ على تجاوز سُلطة النصّ وكسر سُلطة الموروث. لكن الوعي بذلك "النص" والتحليل الفاهم "للموروث" يجعلان من "الحداثة" مفهوما يختلفُ بين الشرق والغرب!

وكما يبدو فأنا أتفقُ مع محمد عابد الجابري في أنّه لا توجد حداثة مُطلقة كليّة وعالمية، ولكن هُناك حداثات تختلف من وقتٍ لآخر ومن مكان لآخر. (4) ووفقا للرؤية السابقة للحداثة باعتبارها تجاوزا لسُلطة النّص وكسرا لسُلطة الموروث فإن "قصيدة النّثر" هي واحدة من أهم تجليّات "الحداثة الشعريّة" والتي انطلقت كواحدة من منتوجات الحداثة بوجهها العام.

2- قصيدة النّثر المُعاصرة:

لا نستطيعُ أن نصبّ قصيدة النّثر في بوتقةٍ واحدة شأنها في ذلك شأن الشّعر والإبداع في العموم، وحتى التقسيمات أو التأطيرات التي تتم أحيانا لا تتعدّى وظيفتها الدرسَ النظري، لكنّ التعميمَ خطرٌ على الفِكر والإبداع (التعميم دون دراساتٍ مُتأنيّة). وقد نستطيعُ أن نسوقَ عددا من الرؤى حول قصيدة النّثر ومن ثمّ نخلُص بمفهوم أو مفاهيم تُشيرُ إلى قصيدة النّثر.

واجهتْ محاولات صك مفهوم جامع لقصيدة النّثر عددا لا بأس به من المصاعب (عادةً يجيء المفهوم مُراوغا ولا يصمدُ كثيرا أمام الاختبار التّطبيقي). وبحسب شريف رزق الله فقد تركّزت الإشكاليّات الأساسية لقصيدة النّثر في (المُصْطَلحِ – الإيقَاعِ- كيفيَّةِ تحقيقِ الشِّعريَّةِ – علاقتِهَا بِالسَّردِ) (5) ويستطيع المتأمّل لتلك الإشكاليات أن يرى أن "المُصطلح" هو بؤرة الإشكاليّة، كيف لا وهو يجمع لفظتين تحملان ظلالا وتاريخا (وأيديولوجيا) ومعاني مُتعارضة!

3- الصّعلكة "شعريا":

- الصعلكة اصطلاحا:

للكلمةِ "الصعلكة" ظلالٌ من الدّونية والخِزي والفقر في معناها العام. كما أن تصّورها من منظور سوسيولوجيّ يُحيلُنا إلى متاهات صراع الطّبقات (طبقات النّاس وليس الشّعراء) حيثُ لا يغيبُ عن ذهن القارئ العاديّ وحتّى غير القارئ أن "الصّعلوك" هو الفقير المُعدم الذي لا مال له ولا أهل له ولا عشيرة تتعصّب له أو ينتمي إليها كما أن دوره الاجتماعي لا يتعدّى كونِهِ الشّماعة التي يُعلّقُ عليها "الأغنياء والنُّبلاء" كل بلايا وإخفاقات المُجتمعات.

- الصّعلكة لُغةً:

اشتُقت في الأساس من مادة "صَ عْ لَ كَ" وفي لسان العرب: "تصعلكت الإبل إذا دقّت قوائمها السِمَن. والتّصعلك: الفقر. وصعاليك العرب: ذؤبانها، وكان عُروة بن الورد يُسمى عروة الصعاليك لأنه كان يجمع الفقراء في حظيرة فيرزقهم مما يغنمه" (6)

لكن الصعلكة (شعرا) تأتي على مسافة مُلغزة أحيانا بين المعنى للغوي للكلمة والمعنى الاصطلاحي حيثُ أنها تهضمُ المعنيين تماما ولا تتنكّر لما فيهما من صفات ليست محمودة، غير أن الصعلكة (شِعراً) تنقسمُ وفق ما أراهُ إلى قسمين رئيسين:

أ‌- الصعلكة الشعرية الشكليّة: حيثُ نتحدّث عن الشعراء اللّصوص في قبيلة العرب، الذين يسرقون ويقطعون الطّرق لكي يواجهوا حاجتهم الماسة للمال وبالتالي "شرعنة الجرائم باتّقاء الفقر" (7)

ب‌- الصعلكة الشعريّة المضمونيّة: والإشارة إلى "المضمون" هُنا واضحة. وأتحدّث هُنا عن الصّعلكة باعتبارِها رؤية وموقف من الحياة أو من الشّعر والإبداع. في هذا النّوع من الصعلكة الشعريّة تجيء الصعلكة رديفا للتمرّد و "التجرّد/ الانجراد" من كل عادات القبيلة/المُجتمع في خُطوة أولى لنقدِهِ والهجوم عليه "شعريا" في لُغةٍ ومضامين غير مألوفة. وللصعلكة في الشعر تاريخٌ طويلٌ ومجدٌ لا يُنسى!

4- محمود الكرشابي .. شِعر الصعلكة:

لو نظَرنا بعين الفاحصِ والمُدقّق لعناوين المجموعات الشعريّة الثلاث التي صَدَرت للشّاعر محمود الكرشابي حتّى الآن، سنجدها على الترتيب وفقا لسنة النّشر هي :

أ‌- الرّحيل الأوّل. (8)
ب‌- كشحّاذٍ يُمسك دفْترا. (9)
جـ - قطار المناشي. (10)

بالإضافة إلى عددٍ من نصوص المسرح، فازَ واحدٌ منها (الإسكافيّ) بجائزة الفُجيرة الدوليّة لنصوص المونودراما 2017م. لكنّ ذلك ليس محل دراساتنا الآن. وعند الرّجوع إلى عناوين مجموعاته الشعريّة الثلاث ستجدُ ملمح (الصعلكة) حاضرا بشكل جلي؛ فكلّها عناوينٌ تُشيرُ إلى الترحال والتنقّل بشكل أو بآخر وتحمل إشارات بعيدة إلى طبيعة ذلك الترحال والتنقّل المقترن إمّا بالتمرّد أو بالفقر أو بهما معاً:

أ‌- الرّحيل الأوّل ◄ إشارة إلى أن ذلك الرحيل الأول أعقبتهُ سلسلة رحيل متوالي.
ب‌- كشحّاذٍ يُمسك دفْترا ◄هل للشحّاذ أن يُسمك دفترا؟ إلا إذا كان مُتمرّدا ويطلُبُ حساب الجميع!
ج‌- قطار المناشي ◄ رحلة الفَقر والحاجة.

غير أن حظَّ هذه المُقاربة من تلك المجموعات الثلاث هو الكتابُ الأخير (قطارُ المناشي) الذي أتى مُعبرا عن حداثة النص الشّعري الواعية حيثُ يُشاكسُ النّصُ الموروثَ في كل شيء ويُناكدُ المألوف حدّ الرّفض الثوريّ المُتطرف أحيانا.

5- محطّات الحداثة وجماليات الصعلكة في "قطار المناشي":

في القصيدة الأولى من الكتاب والتي جاءت بعنوان (هي البيرة ..) يجيءُ الشّاعرُ ساحرا مراواغاً في إشاراتِهِ، صعلوكاً في مضمون قصيدتِهِ، متمرّدا في رؤيتِهِ. إن في ذلك كثيرا مما قد يُقال حول احتشاد عتبات الحداثة في هذا النّص جنبا إلى جنب مع جماليّات الصعلكة التي جعلت من الخمر ضحيّةً لسوء الفهم إن جاز لنا التّعبير حيثُ يُقدّمُ الشّاعرُ وظيفةً جديدة وصادمة للخمر التي عهدها السُّكارى تُذهبُ العقلَ وتُنسي همومَ الحياةِ وأكدارها.

فالخمرُ والسُّكرُ (وهو ديدنُ الشعراء الصعاليك) هو آلة الزّمن التي يُسافرُ بها الشّاعرُ للماضي ليُحاكمَ التّاريخَ ويُستحضرَ أبطالهُ ليوجّه لهم أصابع السُّخرية المرّة ويكنسهم من على الطاولة وهو يتناول المزّة مع البيرة ويُتابعُ الرّاقصة التي اخترق من خلال سُرّتها (الثقب الكوني) حجاب الزّمن ليرى سكرانَ ما لا يراهُ اليقظانُ، يقولُ: (11)

في نُزلٍ مفتوحٍ
بارٌ رخيصٌ
وراقصة بيضاء
والبيرةُ في الأكواب
السُّكارى ودودون
يوزّعون السّجائرَ والتّحايا
قلتُ : ظَلمنا الخمرَ يا صاح ..
والراقصةُ تدور
شعرها مروحةٌ
والسرّةُ ثقبٌ كونيّ

يُعلنُ الشّاعرُ بوضوحٍ تام اكتشافه وظيفة جديدة للخمر ويُبدي ندمه على سوء فهمه لوظيفةِ الخمر بقوله (قلتُ : ظَلَمنا الخمرَ يا صاح ..) !

محمود الكرشابي يقتُل الأب:

(1)

يرى محمّد عليم في كتابه "الصّعلكة في الشّعر العربي الحديث" أنه لم يكُن بالإمكان أن تستقيم العلاقة بين الشّاعر الصّعلوك وقبيلته إلا حينا من الوقت، فالعلاقة بينهما بدت هدوءا سابقا على عاصفة مُحتملة، وفي ظنّي – والكلام ما زال لمحمد عليم- أن مرحلة الهدوء تلك لم تكُن إلا الفترة التي أخذت فيها اعتمالات الصّعلوك في التّصاعد حتّى شوطها الأخير، والذي انتهى بالمفارقة النّهائية وسفور العداء.

انتهى كلام الدّكتور محمد عليم لتبدأ قصيدة الكرشابي "خيالاتُ العُزلة" التي لم ينقلب فيها على القبيلة فقط بل ثار على القبيلة والأسلاف والأب، يقول ص 27 في استهلال مُستقلّ ومنفصلٍ شكلا عن القصيدة لكنّه مفتتحٌ لمُحاكمة الأب والأسلاف :

الأسلافُ عبء ..
وكلّما امتدّ نسبُك
كلّما زاد حملُك
وضاق بهم كتفك
.. اللقطاء خِفاف

وهذا موقفُ الشعراء الصّعاليك من قديمٍ في نُكران فضل النّسب والقبيلة، إذ أنهم لم يجدوا في القبيلة دفئا ولا في النّسب هُويّة صالحة للتّوالد والاستمرار بقدر ما أصبح عبئا متمترسا في وجه كل جديد، لا يقبلُ الرأي الجديد ويخشى الفكرة المُفارقة ويئنُّ من هاجس المنافسة! القبيلةُ التي لفظتهم لمُخالفتهم في المسلك وفي الرأي وربّما تكون القبيلة قد سطتْ على بعض شعرهم وأهلكته نكاية فيهم وتخلّصا من مُستنداتٍ تُدينُ الجميعِ بلُغةٍ لاذعة، صاخبة، ولكنّها صادقة في التّعبير عن معاناة الشعراء الصّعاليك.

يدخُل بنا الكرشابي قصيدته خفيفا بلا نسب، لقيطا يطلُبُ الشّعر نسبا وصهرا / يقول مُخاطبا القبيلة أو الجمهور ص 28:

هلْ قلتُ لكم:
إنني لا أحبّ أبي
أكرههُ
ستقولون عنّي:
ولدٌ عاق،
ابن حرامْ

ينطوي هذا الخطاب على إحساسٍ عميق بصعوبة البوح والتنفيس في حضرة "آخرٍ" مُحافظ ومتربّص بالكلمات التي تتسعُ عن مقاس الألسنة قليلاً، لكنّه يمضي في اعترافه هادئا مُطمئنا لأن ضميره ارتاح إلى براءته مما قدْ يُرمى به من تُهم الجحود والنُّكران، فيقول :

ليس الأمر كما تصوّرتم
فأنا أميلُ على قدميه
لأنعله حذائه
أُدخله الخلاء
وأفرح ملء قلبي
عندما يدعو لي
ليس اعتقادا في شيء
أو رجاء لشيء
فقط لأرى سعادته
وهو يمارس دوره
كأبٍ يدعو لابنه

لكنّه يُفاجئنا ويخدشُ طمأنتنا الزائفة فجأة باعتراضه على دور أبيه، يواجه هذا الدّور ملولا ضجرا متأففا منه، لأن ذلك الدّور كانت تحكمهُ النّوايا الحسنة في غيبة "الفعل" الذي مُعطّلا اعتقادا بأن الغيبَ هو الفاعلُ الأوّل والأخير دونما أسبابٍ تُقدّم أو خُطواتٍ تُمشى:

دوره الأثير والذي ظل يؤديه خاشعا
خمس مراتٍ يوميا
وعلى مدى أربعين عاما
ولم تصفق له السماء مرّةً واحدة!

لم تصفّق السّماء، ولن تصفّق للذين يكتفون بالدّعاء شمّاعةً وحقيبةً نفسيّة يُلقون فيها بمكنون صدورهم وما عجزت عنه أياديهم دون سعي، بل إن ما يسعون في تحصيله ويحسبون أنهم يُحسنون صُنعا هو تضييع "الآخر" في دوّامات من التّسويف والتّواكل والغفلة التي تقذفُ بالأبناء إلى حَجرٍ في صحراء جرداء، تلفح الشّمس وجوههم ويكوي الجوع بطونهم، ويُناوشهم ذُبابُ الجهلِ والرّفض:

لكنني لا أحبّه
أما عن أسبابي
-إن كانت تعني أحدا غيري-
خُذ عندك:
ألا تكفي خطيئته الكُبرى
أنه في لحظة نزقٍ
ألقى بي إلى العالم
ولم أكن والعالم مستعدين
يكفي أنني
أسيرُ حاملا على كاهلي
اسمه واسم أبيه وجده
إلى آخر عائلةٍ عاطلةٍ
عن أية موهبةٍ
ليس لي جدّ عظيم
مؤسف هذا بقدر ما هو محبط
لم يغتصب أي من جدودي
عرش مملكة ولو بعيدة

وهذه مُقدّمات يحاولُ بها الشّاعر انقلابه على أبيه مُبررا استحقاقه القتل عن جدارةٍ. وحتّى لا يظنّ بنا القارئ الظّنون، فإن ما أتحدّث عنه هو عمليّة قتل مجازي وقتل معنوي للأب الأدبي، الأب الجَمالي التقليدي وهي من سمات الشّعراء الصّعاليك الذين يُنكرهم آباؤهم لفرط ما يأتون من جرأة أو "وقاحة" في القول أو الفعل، لكن الشّاعر محمود الكرشابي بادَرَ بالتنكّر لأبيه والانسلاخ عنه لأن هذه نتيجة حتميّة لصراعٍ دراميّ مُتصاعد في النصّ الشعري وفي الواقع الذي يعيشه الشّاعر المُهمّش عن عمدٍ من قبيلته المُحافظة، المُحافظة على كل قديمٍ ولو كان رخيصا، ولو كان باليا، ولو كان خطرًا كامنا في اللاوعي مُتسلّطا على الوعي ومُتجليا في الفعل اليومي.

إن القبيلة الشعريّة (الأب الأدبي) التي أرادت أن تؤدّب الكرشابي بآدابها وتضيّق عليه الخناق في رِزقهِ الشّعري، لم تترك له فرصة للعيش إلا السّرقة والإغارة على القوافل المسافرة أو العمل ككاتبٍ لقصيدةِ النّثر!

(2)

"في الخيال لا أذكر كم مرة قتلته. لم يبق لي إلا أن أقتله في الواقع".

هذا هو قول مُحمّد شكري في مأساتِهِ "الخُبز الحافي" وهو في الحقيقة معذورٌ إذ وصفَ أباه بأبشع الصّفات ونعتهُ بأشنع النّعوت في تعامله معه ومع أخيه (قتله ضربا) ومعه، فكانَ متوقعا أن يسعى إلى قتلِهِ في الواقع.

وبما أننا ما زلنا مع قصيدة "خيالات العُزلة" من المجموعة الشعرية "قطار المناشي" فإن لدى محمود الكرشابي أسبابا إضافيّة تدفعه لقتل الأب فوق اتفاق أسبابه مع بعض أسباب محمد شكري:

ألا يكفي أنّني رأيته
ذات مرّةٍ
يصفعُ وجه أُمّي
تلكَ الكائنُ الملائكيّ
والتي لا يستأهلُ ظفرها
هي أوّلُ وآخرُ مَرَةٍ
وهي سامحته
بعد نصف ساعةٍ وقُبلتين

لن يُغريني الكلامُ عن المرأة المُستضعفّة، الأنثى الهشّة ولن أخوضَ فيه، لكنّني أجدُني مدفوعًا لتفسيرِ هذا المقطع على نحو نفسيّ، يبدو أن الشّاعر هُنا طفلٌ لم يقع في "عُقدة أوديب" بل وقع في عُقدة مُركّبة أوديب\إليكترا، فهو يريدُ نفسَه عوضا عن ذلك الأب "الذي لا يستأهل ظفر أمّه" ومن ناحية أُخرى تُحيّره طيبةُ أمّه وتَسامُحها مع ذلك الرّجل، فهو يريدُ نفسه بدلا منها كي يردّ لأبيه الصفعةَ صفعات! لكن ذلك الأب أوقع الشّاعر\الطّفل في حيرةٍ أكبر أفضتْ إلى كراهية أكثر ببكائهِ على أمّه:

وعندما ستموت
بعد نصف قرنٍ وأربعة أولاد
وما لا يُحصى من أحفاد، وهزائم
يبكي على قبرها
كما لم يبكِ أحدٌ
على أحدٍ في العالمين

إن ذلك الحنان المُباغت أحيانا والمُفرط أحيانا هو ما يؤجّل لدي الشّاعر قتل الأب رُغم اعتزامه ذلك، فيقول : (حنانه الزّائدُ إبرٌ مغروسةٌ في قلبي) ومن ثمّ هو يُريدُه شيطانا محضا أم ملاكا محضا؟، فتكون الإجابة:

لو كان لي أن أُنجب أبي
لو كان لي أن أصطنعه
لاصطنعته أكثر جمالا
وأقل حنانا
حنانه الزّائد إبرٌ مغروسةٌ في قلبي

لقد تملّكت الشّاعر مشاعر الصّعلكة والضّجر من الإطار العائليّ المُغلق، الذي يُغلّفه إلهٌ في صورة أب، فاختلطتْ عليه مشاعر الحُب بمشاعر النّفور والعصيان لأن له في الحُب مسالك غير تلك التي يسلكها أهلهُ، وله أيضا في الكُره مذهبٌ:

كثيرةٌ هي أسبابي لأكرهه
لكنّها نقيّةٌ وساذجة
ليس من بينها صراعٌ على عرش

ها هي من جديد سيرة أوديب متخفيّة وصريحة في آن، فمنذُ أن ولدَ الشّاعر والأبُ\القبيلةُ تخامرُه مشاعر الشكّ فيه كما لو أن نفس النّبوءة التي حذّرتْ أوديب من مولودٍ سيأتي له يقتله ويتزوّج امرأته، حّذّرتْ القبيلة من شاعرٍ صعلوك، يخرجُ على الأعراف والتّقاليد ومن ثمّ حقّ عليه القتل وقت ميلاده رُغم أنه لم يأتِ ليصارعهم على "عرش" أو امرأة، بل جاء طالبا أن يكون نفسه، لا أباه، وأن يكون شعرَهُ لا صداهم، وأن يكون مبدأه، لا نَسَبه الثقيل!

إن مذهب الشّعراء الصّعاليك في الكُره جديرٌ بأن يُحسدوا عليه، لأن ألسنتهم لا تُخفي ما في صدورهم، فتنطق بجرأة عمّا في داخلهم. بينما يقبعُ شعراء آخرون في كهوف من الصّمتِ الرّخيص خوفًا من عداوة الأب أو الحاكم أو الجمهور أو النّاقد، فلا هُم نطقوا، فكانت المواجهة ولا هُم انصرفوا كي يصفو المشهد:

دماؤنا ليست زرقاء
كُرهي له كان خالصا
ومنزهّا عن كل غرض
فلا تحسدوني عليه

لكن صعلوك القرن الحادي والعشرين لن يسلمَ من الأيديولوجيا، فإذا كان الأبُ الرمزّي المعنويّ والأدبي قائما لا محالة، فللشاعر أن يتّهمه بالرجعيّة والتخلّف ويُشهر في وجهه دليل الفُرقةِ والخصومةِ المُستحكمة:

هذا رجلٌ لم يقرأ
الـ Communist manifesto
بالله عليكم
وأنا الخائبُ العظيم
كيف لي أن أُحبّ رجُلا
لم يقرأ "كارل ماركس"
وهو وتلك ثالثة الأثافي
يشمئزُّ من الحداثيين
يدّعي أن نتنًا
يفوحُ من نصوصهم
يتطيّرُ من صورهم
التي تطلي جدران غرفتي
ويتمتم: سحناتٌ كقساوسة...
تقطع الخميرة من البيت.

لم تُكن القصيدة من مطلعها حتّى ختامها إلا حيلة شعريّة استطعنا أن نستلّ منها "الأيديولوجيا الأدبيّة" للشّاعر محمود الكرشابي، وكلّ ما سبق من أسبابٍ لقتلِ أبيه لم يكُن إلا تمهيدا ليُفصح عن سبب الكُره الحقيقي.

إن أباه يكره وديع سعادة ومحمّد الماغوط وجبرا إبراهيم جبرا وتوفيق صايغ وأدونيس ومظفر النواب وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا وسركون بولص وعز الدين المناصرة وبول شاؤول وسليم بركات وعباس بيضون وبسام حجار وعبد القادر الجنابي، وعماد أبو صالح وحسين صالح خلف الله وفتحي عبدالسّميع ومحمّد القلّيني وغيرهم من هؤلاء العُصاة الذين تقطع سحناتهم الخميرة من البيتِ الشّعريّ وتجلبُ الفقرَ والنكد، نكَدَ السؤال!

يا له من أبٍ أدبي ورمزّي يستحقُّ القتل بدمٍ بارد!




الهوامش

(1) انظر: عبده وازن، كتاب سوزان برنار الشهير صدرت ترجمته في القاهرة. "قصيدة النثر" تسترجع السجال القديم بعد أربعين عاماً على انطلاقتها العربية، صحيفة "الحياة" السعودية، 8 أبريل 1999م. الموقع الإليكتروني http://www.alhayat.com/article/999381
(2) انظر: أشرف البولاقي، الصفحة الشخصية على فيسبوك، مقال رقم (10) ضمن مجموعة مقالات "الشعر والشعراء"، تاريخ التصفّح 18 أكتوبر 2019م.
(3) عبد النّبي عبّادي: الشعرُ والعولمة، تبارك للنشر التوزيع، ط1 أكتوبر2019م، ص70.
(4) محمد عابد الجابري، التراث والحداثة .. دراسات ومُناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية/ لبنان، ط1، 1991 ، ص16.
(5) شريف رزق الله، إِشكاليَّاتُ النَّوعِ الشِّعريِّ في قَصِيدةِ النَّثْر، موقع الحوار المتمدّن، 3يناير2015، تاريخ التصفّح 19 أكتوبر2019م.
(6) ابن منظور، لسان العرب، مادة: "ص ع ل ك"، ط1، 2005، دار صادر للطباعة والنشر، بيروت.
(7) انظر: محمد عليم، الصعلكة في الشعر العربي الحديث،ط1، 2016، الهيئة العامة لقصور الثقافة، ص75.
(8) صَدَر عن دار وعد للنّشر والتّوزيع، مشروع النّشر الإقليمي،ط1، 2015م.
(9) صَدَر عن سلسلة كتابات جديدة، الهيئة المصريّة العامة للكتاب،ط1، 2017م.
(10) صَدَر عن سلسلة أصوات أدبيّة، الهيئة العامّة لقصور الثقافة، ط1، 2019م.
(11) محمود الكرشابي، قطار المناشي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة أصوات أدبية، ط1، 2019، ص 8 -12.


الآراء (0)