فوزي كريم والسقف الابستمولوجي - أحمد سعداوي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2022


69



فوزي كريم والسقف الابستمولوجي


يستخدم مصطلح "السقف الابستمولوجي" أو "السقف المعرفي" في العلوم الاجتماعية للإشارة الى مجمل المعارف والعلوم والخبرات والأفكار في عصر ما، ويحكم هذا السقف تفكير الناس تحته، نخباً وأناساً عاديين.

من النادر لشخص ما أن يخرق السقف المعرفي لعصره وزمنه، وأحياناً ـ في أزمان سابقة سحيقة ـ لم يكن يستطيع الفرد خرق حتى إكراهات الجغرافيا، فيبقى رهيناً لمعارف بقعته الجغرافية، ما لم يخرج منها بالسفر والترحال أو التجارة والاحتكاك مع شعوب وثقافات أخرى.

دائما ما تخطر إكراهات السقف المعرفي في ذهني وأنا أطالع وثائق العراق في الستينيات من القرن الماضي، حيث ملاسنات الحزبيين، وقضايا العالم التي تتصادى أحداثها وأخبارها في المقاهي والحانات ومكاتب الصحف والمجالس الخاصة.

في ظلّ سقف معرفي من هذا النوع، تتقاسمه بشكل حاد التيارات القومية العروبية من جهة والتيارات اليسارية الشيوعية من جهة أخرى، كيف لشخص ما أن يتحرّر منها، وأن يفكّر تحت سقف آخر؟! أو على الأقل يأخذ له "كِسرة" صغيرة مختلفة من هذه السماء المقسّمة لتكون سقفاً له.

هذا ما فعله الشاعر الراحل فوزي كريم. فلم يكن شيوعياً ولا قومياً، ومن ثمّ، بعد عقود، حين عاد شعراء الستينيات البعثيون والشيوعيون ليؤرّخوا لتلك المرحلة، تجاهلوا فوزي كريم، وعمدوا الى التقليل من شأنه ومن دوره.

لقد نجح فوزي كريم، وهنا عبقريته الكبيرة، في أن ينتج سقفه المعرفي الخاص، المضمّخ بالرؤى الفلسفية والصوفية، بعيداً عن رافعات الايديولوجيا، هذه الرافعات التي منحت زملاءه البعثيين والشيوعيين مناصب ومرتّبات ومكاسب وصاروا نجوماً، لا بإبداعهم فحسب، وإنما بماكنة الأحزاب التي انتموا لها، أو تضامن العقائديين داخل العراق وخارجه.

فوزي كريم بمجاميعه الشعرية الـ 22 وكتبه النثرية في القصّة والموسيقى والنقد الـ 18 هو متن أساسي حيّ في الثقافة العراقية، يستحقّ التأسيس عليه، لأنه متن مختلف، خارج احتراب الايديولوجيا والولاءات المتقاطعة، والتي تلوّثت بالدم والمصالح في الكثير من المفاصل الحرجة من تاريخ العراق الحديث.

أتذكر من فوزي كريم، وأردّد معه مثل نصّ مقدّس مقولته: الارتياب في النفس هو أولُ خيوط التنوير. وهو أولُ قاعدة لاستيعاب التكوين الإنساني الملتبس.

اليوم، كم يملك مثقفونا من قدرة على اجتراح سقف معرفي خاصّ بهم، بعيداً عن احتراب الايديولوجيات والجبهات والتيارات؟
كم لديهم من قدرة على انقاذ أنفسهم من هذه المطحنة، خدمة للمعرفة والحقيقة، لا أن يكونوا حطباً لأفران المصالح والجبهات المتصارعة.




الآراء (0)