الرموز المستهلكة - حسان الجودي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2021


165



الرموز المستهلكة


كم مليون مرة سيقتل قابيل هابيل في نصوص الشعراء؟

وهل عاد لهذا الرمز أي ألق يذكر؟

إن ذرور الصدأ يتساقط منه ، وحشوه في أي نص شعري هو إعلان عن إفلاس شعري وفكري وفلسفي بآن واحد.

مآسي الحروب المعاصرة ، هي مآسي حضارة معاصرة. وليس خلافات شخصية صغيرة حول امرأة. وتعميم هذا الرمز هو ببساطة عجز عن إيجاد أو خلق رمز آخر بديل مناسب.

أعتقد أيضاً أن كل نمذجة هي فاشلة، ما دامت تستخدم الرمز الديني التقليدي القديم والذي بات قاصراً عن رمزيته لهذه الأسباب:

1-الاستهلاك المفرط الأدبي له وتفريغه من معناه وفقدانه هيبة الثيمة، (يوسف-ديك الجن-الصليب-الأندلس، على سبيل المثال ).

2-محدودية الثقافة المنتجة له. وهي غالباً ثقافة منحازة دينية ، تجعل من عالم الغيب فاعلاً في الأحداث الأرضية، بطريقة لا تمت بصلة إلى تنوع وجمال الأساطير.

3-كثير من النصوص الدينية التاريخية هي نصوص مخادعة تحاول أن تكون واقعية، بسبب السلطة التي تمنحها القداسة لها.

4-الاتكاء على الرموز الدينية هو عكاّزة تساعد النص على المشي. وكل نص لا يؤسس لرموزه وأساطيره، هو نسخة عن نصوص أخرى تستخدم نفس الرموز.

الشاهد الذي سأورده هو نص من فصل الجحيم لشاعر سوري معروف من قصيدة (الملهاة الدمشقية). وأحب التذكير أن موقفي هو نقدي وليس سياسياً على الإطلاق..

وقد أثار النص هذه الأفكار، بسبب عكازة قابيل وهابيل والتي يشرحها الشاعر في سطر شعري كامل ، كأنها فلتة كونية، وأمثولة رائعة معبرة عن حالة دمشق!

ولا أستطيع أخيراً إلا أن ألقي التحية على شاعر عظيم يدعى السياب الذي أعاد إنتاج جميع الرموز وجعلها قادرة على تنفس اوكسجين الحياة المعاصرة.

إن ثاني أوكسيد الكربون الشعري هو منتج أيضاً من منتجات الحداثة الشعرية العربية التي تعيد تدوير ذاتها.

الشاهد:
/فَلْنَمْضِ، إِذَنْ، أَنَا وَأَنْتَ، فِي هَذَا الْمَسَاءِ الدِّمَشْقِيِّ
شَبَحَانِ غَرِيبَانِ،
يَهْبِطَانِ الْجَبَلَ؛
"هَابِيلُ" الَّذِي قُتِلَ وَ"قَابِيلُ" الَّذِي قَتلْ.
وَفِي السُوقِ المُسْتَقِيمِ،
حَيْثُ يَتَدَلَّى الضَّوءُ، مَعَ الْمَلَابِسِ،
بِأَبْوابَ حَوانِيتَ كَئِيْبَةٍ،
وَتَفِرُّ الْحَمَائِمُ بِأَجْنِحَتِهَا الْمُلَطَّخَةِ بِالسُّخَامْ،
وَتَغِلُ
فِي الضَّوْءِ الْكَابِيْ؛
فَلْنَقِفْ هُنَاكَ وَنَتَفَرَّجُ كَمَا لَوْ كُنَّا سُيَّاحَاً عَابِرِينَ
وَلَمْ نَكُنْ يَوْمَاً أَطْفَالَ هَذِهِ الْمَدِيْنَة،
وَلَا أَبْنَاءً لِآبَاءٍ دُفِنُوا فِي تُرَابِهَا الْأَسِيرْ/




الآراء (0)