سعدي يوسف الواقف على الأطلال - حسان الجودي | القصيدة.كوم

كتبت عام: 2021


154



سعدي يوسف الواقف على الأطلال


هو ذا شاعرٌ لا يشبه شاعراً عربياً آخر، كما كتب محمود درويش. شاعرٌ مقلُّ الكلام نحيلٌ، مثل قصيدته النحيلة الخالية من الحذلقات اللغوية والصور المدهشة. لغةٌ متقشّفةٌ زاهدةٌ، لكنها تختزل الكثير من المعاني. يقول صاحبها عنها، إنها خاليةٌ من الكولسترول، ويقول عنها، إنها لغةٌ متجذرةٌ في المكان. ونقول عنها، إنها لغةٌ محتشدةٌ بالصور الفوتوغرافية للكون من كلِّ الزوايا الممكنة. ويقول عنها، إنها تقف باحترام أمام نصوص الشّعراء الجاهليين. ونقول عنه، إنه الشّاعر العربي الوحيد، الذي أسّس لعلاقة فريدة مختلفة مع المكان. ونقول عنه إنَّ قصائده هي وقوف طللي جديدٌ مختلف. لكنه ظلَّ أحياناً أسير المدارات الطللية القديمة، ولم يستطع الخروج منها. يقول في إحدى قصائده:

أظلُّ مندفعاً دوماً،
أدوسُ على مُعَجِّلِ السرعةِ القصوى
وأتركهُ على أديمِ الحديدِ الجهْمِ ينطبقُ
فوقي سحابةُ مِدرارٍ تُظَلِّلُني
وفي المدى الخافقانِ: الريحُ والورَقُ.
ما أضيقَ العيشَ!
لو كان المدى بِيَدي
لكنتُ سِرتُ إلى ما ليسَ يُختَرَقُ.


وهذه القصيدة هي مرآة جديدة لبيت طرفة بن العبد:

وإني لأُمضي الهمَّ عند احتضاره
بهوجاء مرقالٍ تروح وتغتدي.


الفارق الوحيد هو أن الناقة أصبحت سيارة معاصرة.

تُلاحظ هذه البؤرات الطللية، في مواضع عدة من إنتاج شاعر غزير. فقد وصلت مؤلفاته إلى التسعين كتاباً، تنوّعت بين الترجمة والتأليف الشعري. إلا أنَّ الشاعر في عموم تجربته، يؤسس لعلاقة فريدة بين الشاعر والمدن- الأطلال، تقوم على المزج بين الذاتي والموضوعي. فهو عينٌ تُبْصر وعين تتبصر. وقد برع في استخدام السّرد الشعري ووظّفه في حمل الطلل الشعري ببراعة قلَّ نظيرها.

غادر العراق في سنوات شبابه 1957، وانطلق بعدها إلى الكويت، وعاد بعدها إلى العراق حيث سجن. وانطلق بعدها من جديد إلى بيروت والجزائر في رحلةٍ أوليسية مستمرة، طالت دمشق وعمان ومراكش وباريس وروما عدن اللاذقية برشلونة أمستردام لندن طنجة وغيرها من المدن. وقد استطاع بحرفية شعرية أن يستنطقها، بدون نوستالجيا الشعراء الرومانسيين.
قال:/ منذ اعتبرت الحنين عدواً استقام ظهري./ وقال مخاطباً إياه:

فاترك المقعدَ الآنَ ، واهبطْ !
قطاري سيسرعُ بي ، بعد هذي المحطةِ
فاهبِطْ
ودعنيَ أمضي إلى حيثُ لن يتوقّفَ يوماً قطارْ …

وهو بذلك لا يحنّ إلى مدينة واحدة، بل يتماهى مع كلّ مدينة يزورها، يذهب إلى شوارعها الخلفية، حيث الحانات والانشغالات الإنسانية العظيمة بالحياة نفسها لا بقشور تكنولوجيا الحضارة. ويكتب كما يكتب بحّارٌ عجوزٌ، عن الموانئ والنساء والبارات. ويكتبُ كما يكتبُ وطنيٌّ مخلصٌ، عن الطائرات الأمريكية التي تقصف العراق. ويكتب كما يكتبُ فتى استقبالٍ في فندق، عن النساء السرّيات والعلاقات المحتدمة. ويكتب كما يكتب عاشقٌ فحلٌ عن السرير. ويكتب مثل مهاجرٍ فقيرٍ عن المنفى. ويكتب مثل روائيّ، عن شخصيات فريدة لا تتكرر. ويكتب عن معروف الرصافي، ويكتب عن السناجب، ويكتب عن رئيس أساقفة كانتربري، وعن كارل ماركس، وامرئ القيس، وعن بيانو كونداليزا رايس. يكتب عن كلِّ ذلك، وهو يسعى إلى إخراج شعره من الفضاءات اللغوية ذات الطابع الرومانسي والسّمة الريفية، والثورة الحماسية، إلى السوق والمقهى والشارع والميناء والبحر والغابات والحانات والأرصفة. مستفيداً من لغة الحياة اليومية ومن فضاءات ألفاظ مدينية. وتعدّ الألفاظ المدينية من أبرز الأنماط الأسلوبية التي يتميز بها شعره أو يكاد يتفرد بها. فهو كما يعرّف نفسه : /شاعر مديني/.

هو بلا شك، شاعرٌ تجريبيٌّ مبهرٌ. تكاد مؤلفاته الشعرية أن تقدم كلّ منجزات الرواية بشكل شعري راقٍ وشفافٍ. وقد استطاع ذلك بفضل عبقريته الشعرية التي زوّدها بالمنجزات الفكرية والفنية للحداثة دون أن يقطع جذور الأصالة. يكتب سعدي يوسف كافة الأنماط الشعرية، قصيدةَ العمود وقصيدةَ التفعيلة وقصيدةَ النثر. وهو يحاول دائماً التخفف من البلاغة، إلا أنَّ صداها الجميل يظهر في كثير من قصائده، رغم سرده القصصي الذي يكتبه بحواسه عن الحياة. وهو لا يمانع أبداً بالابتكارات الفنية العروضية، كالمزج بين التفاعيل في القصيدة الواحدة، أو المزج بين الأشكال السابقة الثلاثة. وهو لا يتوانى عن تطعيم قصائده بالعبارات الأجنبية من أسماء أمكنة وأشخاص واقتباسات وغيرها /نورماندي، كوستاريكا، لوركا، رامبو، ريلكه، أوجين/مسدس ماغنوم، البالكونة، كاتدارئية ،الشاليه، طائرات ميغ، سنتميتر، الميليشيا، الإنتربول، أزهار الجيرانيوم/. لكنه يقدم دائماً شعراً أنيقاً هامساً خالياً من الضجيج يكاد شكله أن يختفي، مفسحاً المجال لعناصر أخرى بالظهور هي أحوال الداخل وانشغالاتها بتأملات الكون.

يستحقّ سعدي يوسف لقب الشاعر والسياسيِّ الإشكاليِّ. تعد قصيدة /عائشة/ بالإضافة إلى قصيدة /مصر العروبة عراق العجم/ خير شواهد على نمط شعري مُرْبك، يتجاوز فيه الخطوط الحمراء. وقد استطاع أن يكرّس اختلافه، حين أثار العديد من نقاط الاختلاف مع حركاتٍ سياسية وأحزابٍ انتمى إليها أو عاصرها. وكذلك مع أحزاب دينية، ومجموعات رأى فيها لحظة الخراب التاريخي.

لقد هُوجِم سعدي يوسف، كما لم يُهاجَمْ شاعرٌ من قبل. وانقلب عليه الأصدقاء المقرّبون، وحين اشتد المرض به في نيسان 2021 دخل المستشفى الانجليزي لتلقي العلاج. وحينها طالب وزير الثقافة العراقي حسن ناظم الحكومة ، بتقديم المساعدة له. لكن هذا الموقف أثار ردود أفعال لدى بعض الأحزاب في البلاد التي تعتبر أن الشاعر أساء للإسلام وللعراق في كتاباته ومواقفه. وقال حينها نائب رئيس مجلس النواب حسن الكعبي: "يبدو أن الإخوة في وزارة الثقافة لم يطلعوا على الكتابات والقصائد والتصريحات العلنية للشاعر".

المثير للسخرية هو أن ذلك المسؤول المؤدلج لم يطلع هو نفسه على قصيدة سعدي يوسف الأخيرة التي تضمنت وصيته الأخيرة وهي حرق الجثمان.

لو قرأ المسؤول تلك القصيدة، لعرف أن سعدي يوسف (مش فارقة معاه) كل ما يقال عن إساءته للإسلام أو للعراق. لقد أنجز مهمته الشعرية في غاية الكفاءة. وأثار من حوله غبار النجوم.
لكن العقل العربي المؤدلج ، يريد أن يستمر بالتكلم نيابة عن الله . ولا يتوانى عن إصدار أحكام الإعدام على كل مخالف..

لترقد روح ورماد سعدي يوسف بسلام في مقبرة هاي جيت في لندن. فقد تم تنفيذ وصيته تماماً، دُفن الرمادُ بصمت دون مشيعين بعيداً عن ميلاده الأول في أبي الخصيب، قضاء البصرة 1934.





الآراء (0)